آخر تحديث: 28 / 1 / 2022م - 10:35 ص

الفتنة الطائفية.. الامتحان الصعب

فاضل العماني * صحيفة الرياض

في مطلع نوفمبر 2014، استهدفت خلية إرهابية تنتمي لتنظيم داعش الإرهابي قرية ”الدالوة“ في محافظة الأحساء، وقامت بعمل إجرامي راح ضحيته ثمانية شهداء من المواطنين إضافة إلى شهيدين من رجال الأمن، وفي الجمعة قبل الماضية تلطخت يد الغدر مرة ثانية بجريمة بشعة في بلدة القديح في محافظة القطيف مخلفة 22 شهيداً قضوا غيلة وهم يؤدون الصلاة في بيت من بيوت الله، هذا طبعاً غير العشرات من المصابين والجرحى، وقبل يومين وأثناء صلاة الجمعة بمسجد الامام الحسين بحي العنود بالدمام، يواصل هذا التنظيم المجرم استهدافه المصلين الآمنين مخلفاً بعض الشهداء والمصابين.

يبدو أن هذا الفكر المنحرف الذي يمتهن القتل والدمار والتوحش، يسعى جاهداً من خلال جرائمه البشعة التي لا تُراعي قدسية ولا ذمة، أن يُحدث شرخاً غائراً في نسيج المجتمع السعودي، ليحقق أهدافه الشاذة والمشبوهة لزعزعة الأمن والاستقرار في مجتمعنا المسالم ولبث سموم الفرقة والفتنة بين أبناء الوطن الواحد. تلك هي الأجندة المعلنة التي يُمارسها بدناءة وخسة هذا التنظيم الإرهابي الذي أصبح وصمة عار في جبين الإنسانية.

حوادث الإرهاب الأليمة، فتحت جروحاً نازفة في قلب الوطن وهزّت كل أركان المشاعر، ولكنها في المقابل، جسدت روح التلاحم والتعاطف في صورة وطنية لم نشهدها من قبل.

لقد أصبحت تلك الدماء الزكية، صرخة كبرى في وجه هذا الفكر المتطرف الذي فقد أدنى معاني الرحمة والمحبة والإنسانية، فضلاً عن الانتساب لشريعة الإسلام السمحة.

تلك مقدمة طويلة لابد منها، لكي تؤسس لهذا السؤال الخطير الذي يفرض نفسه الآن بكل قوة ووجاهة وضرورة: كيف نمنع تمدد هذا الفكر المنحرف وسط شبابنا لكي لا تتكرر هذه الحوادث المأساوية؟

أعرف أنه سؤال صعب ومعقد، ولا يمكن الإجابة عنه بشكل مباشر وشاف في مساحة محدودة كهذه، ولكنني سأحاول ما استطعت أن أحدد بعض الأسباب/الدروس الرئيسية التي يمكن الاستفادة منها للقضاء على هذا السرطان الخبيث الذي يُحاول أن ينخر في جسد الوطن.

لا أعرف سبباً مقنعاً، لعدم وجود مركز وطني متخصص لدراسة وتحليل وعلاج ظاهرة التنظيمات الإرهابية حتى الآن! وطننا، يُعتبر هدفاً كبيراً من قبل الجماعات والتنظيمات الإرهابية والتكفيرية، لما يُمثله من قيمة ومكانة ورمزية. نحن بحاجة ماسة، لمعرفة منسوب هذه الظاهرة الخطيرة ومدى تغلغلها في فكر ومزاج وقناعة أطفالنا وشبابنا.

الإعلام بمختلف أشكاله ومستوياته، لاسيما الجديد، لا يجب أن يُترك هكذا، ليمارس أدواره المشبوهة كمنصة كبرى لإشاعة الكراهية والتعصب ولنشر ثقافة الإقصاء والازدراء ولترويج مظاهر العنف والفتنة الطائفية! لابد من سن قوانين وتشريعات وتنظيمات تُجرم وتُعاقب كل من يُمارس الاتهام والتخوين والتكفير ضد الآخر. مبدأ العقاب والمحاسبة والملاحقة القانونية، قيمة حضارية مهمة جداً للحفاظ على سلامة الوطن.

المناهج الدراسية، سواء على صعيد التعليم العام أو الجامعي، بحاجة ضرورية جداً لعملية تنقية ومراجعة وإعادة صياغة لتكون مناسبة وملائمة، بل وجامعة لكل الأطياف والطوائف المتعددة في الوطن، فوجود عبارات وإشارات واتهامات تُسيء لمكون أو شريحة أو فئة من المجتمع، قضية خطيرة للغاية ولا يمكن قبولها، فنحن مجتمع متعدد ومتنوع ويتمتع ببعض التباينات والاختلافات والتمايزات بين مكوناته المختلفة. مناهج التعليم، لا يجب أن تقع في فخاخ التعريفات والتوصيفات المثيرة، ولكنها ”الصدر التنويري“ الرحب الذي يُسهم في صنع حالة وطنية رائعة من الاندماج والتكامل والثراء.

المنابر بكل ألوانها وتوجهاتها، تحتاج لعملية ترشيد وتقنين ومراقبة، لأنها تُمثل حالة متقدمة من الجذب والاستقطاب والتأثير، فالكتابات والخطب والدروس والاستفتاءات التي تُمارس التجييش والتعبئة الطائفية، والتي تغص بها الصحف والفضائيات والمواقع الإلكترونية، لا يمكن لها أن تستمر، لأنها كارثية بامتياز.

للأسرة دور كبير جداً في تنشئة أبنائها بشكل متوازن وطبيعي ومتسامح، بعيداً عن الغلو والتشدد والتزمت، إضافة إلى ملاحظتها واهتمامها ومراقبتها لأي تغيرات أو تصرفات أو سلوكيات غير سوية تحدث لأبنائها.

أغلب من يحمل الفكر المتشدد، إما عاش في أسرة متشددة أو أسرة مفككة. فالأسرة، هي الخلية الأولى في جسم المجتمع، وهي المجتمع الصغير الذي يتشكل منه الوطن الكبير.

خطاب المواطنة، هو ”الضابط الوطني“ الذي يجب أن يُلغي كل الخطابات والقناعات والأيدلوجيات الأخرى، الطائفية والقبلية والمناطقية والفئوية. خطاب الاعتدال، وهو امتداد طبيعي لخطاب المواطنة، هو من يستحق أن يسود ويتمظهر في كل تفاصيل ومفاصل المجتمع.

العدو الحقيقي، هو المنظّر والمحرّض والمشرّع، وليس المنفذ. فأولئك الشباب البسطاء الذين استخدموا كأحزمة ناسفة وقنابل موقوتة تُدار وتُبرمج وتُستغل لتنفيذ مآرب خبيثة وأجندات مشبوهة، رغم خطرهم الشديد، إلا أن الخطر الأكبر يتمثل فيمن غرر بهم وجندهم. هؤلاء، هم الأعداء الحقيقيون الذين يجب أن تنالهم العقوبة ويلاحقهم العار.

الدماء الزكية التي أُريقت ظلماً وعدواناً في الدالوة والقديح والدمام وفي وكل بقعة من وطننا الكبير، تستحق منا جميعاً الوقوف صفاً واحداً ضد كل من يُهدد وحدتنا الوطنية وسلمنا المجتمعي.