آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 10:10 م

«فاضل الربيعي» على سرير الطائفة «1»

نذير الماجد صحيفة الشرق

يعيد الباحث العراقي فاضل الربيعي إنتاج الاصطفافات الطائفية في خطابه المعرفي. ينتزع الثنائيات الدينية والطائفية من سياقها التاريخي ليضعها في سياق الثابت الأنثربولوجي، فالطائفة التي تستمد مكونها الثقافي من المناحة البابلية لعشتار وتموز، هي جماعة «لقاحية» تضمر الكراهية الدائمة للسلطة أو الدولة، بخلاف الجماعات الرعوية المخولة وحدها ببناء الدولة وحماية استقرارها، وهي هنا الجماعة المختارة التي لم تخفق في إحراز القطيعة مع مكونها البدائي.

الربيعي المتأثر على ما يبدو بالفكرة الشهيرة للمفكر العراقي هادي العلوي حول الجماعات البدائية المضادة لكل ما هو سلطوي، والمندرجة بحسب تسمية هادي ضمن النزعة «اللقحاية»، يتجاهل - أي الربيعي - في الآن نفسه الطبيعة السياسية المتحولة للظاهرة. وهو لا يفعل ذلك إلا ليقوم بتأبيد الانقسام الطائفي بعد أن يضفي عليه تبريره المعرفي المستمد من الأنثربولوجيا.

آخر ما نحتاجه في تحليل المسألة الطائفية هي المقاربات الأنثربولوجية، فالإشكالية سياسية، ولذلك ينبغي وضعها في سياقها السياسي الموضوعي - فضلا عن الاقتصادي - كما هي في لحظتها المعاشة الراهنة.

الطائفية منتج سياسي حديث. التفكير حولها على نحو إشكالي يعيدنا مباشرة إلى اللحظات التأسيسية المرتبكة للدول الوطنية في العالم العربي والإسلامي، وذلك غداة تشكلها أثناء وبعد الحرب العالمية الأولى.

لقد لاحظ كثير من الباحثين أن فشل النخبة السياسية العربية الحاكمة وإخفاقها إخفاقا كبيرا في بناء الخطاب الوطني والثقافة الوطنية والدولة الوطنية يعود بدرجة أساسية، إلى الاستعمار نفسه كفاعل خارجي لا يجد أن من مصالحه إقامة كيانات سياسية ديموقراطية ووطنية حقيقية تستمد شرعيتها من الداخل، إضافة إلى عدم توفر الإرادة السياسية لتلك النخب الحاكمة في الدول العربية خلال وبعد الحرب العالمية الأولى وحتى عهود الاستقلال.

المسار يكشف عن نفسه بوضوح: تورط النخب في تأمين أوضاعها في سياقات مرتبكة وملتبسة وكيانات مخترعة ولدت خارج التاريخ وفوق المجتمع، أدى بها إلى محاربة كل نية للانغراس الوطني عبر تقويض كل المحاولات التي أرادت استئناف التأسيس السياسي والتاريخي ولكن على قاعدة المصلحة الوطنية الحقيقية «تجربة مصدق في إيران مثال» والنتيجة صعود الإسلام السياسي، بصفته تزاوجا فريدا تتولد عنه باستمرار الهويات الطائفية، وذلك لملء الفراغ الناجم عن انسحاب أو قمع الخطابات الوطنية واليسارية.

ولكننا حين نصف هذا المنتج السياسي بالحداثة، فمن منطلق أن الطائفية كسلوك ومشاعر سياسية وكانتماء وهوية لم تكن إلا نتيجة لتلك الأسباب نفسها: تعثر الدولة الوطنية عن الوفاء بوعودها من جهة، والتدخلات الخارجية الماثلة في الاستعمار من جهة أخرى. وهي - كما هو واضح - عوامل تاريخية وحديثة زمنيا، فحين لا تبدو أي إمكانية لقيام الكيان السياسي على قاعدة وطنية جامعة، فإن الجماعات ستعود تلقائيا لمكوناتها الما - قبلية/ الطائفية والإثنية.

وبالمثل، حين لا يكون ثمة إمكانية لبناء مؤسسات مجتمع مدني وأحزاب، حين لا يكون هنالك متسع للعمل السياسي الجماعي لإشباع الحاجة إلى التظلل بسقف جماعة ما، فإن من الطبييعي أن تصبح الطائفة هي الحضن، هي الملجأ الأخير، هي «بيت الطفولة الجماعية» الذي نعود إليه كلما تأزم الواقع وصار مأزقيا.

والطائفية منتج سياسي، لأنها بالنسبة للفاعل السياسي الملجأ الأول والأخير، وذلك - بالطبع - حين تنقصه الأدوات السياسية والخطاب السياسي الجامع، قبل أن يكون بأمس الحاجة إلى إشاعة مناخ متشظ وممزق لكي يقدم ذاته في الأخير كضامن وإطار يجمع ويوحد، كما لو كانت علة التفكك هي ذاتها علة التماسك والوحدة.

الطائفية حيز استعمالي بحت، إنها فضاء التوظيف الكامل للسياسي: استعمال السياسي لما هو غير سياسي، أو آلية هيمنة سياسية بأدوات غير سياسية.. توجد الطائفية لكي توظف وتستعمل وتستخدم. هكذا بدت لي منذ عام 2003 احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق، مرورا بعام التفجر التراجيدي الطائفي 2011، حين فوجئنا جميعا بالحادث الانقلابي الكبير، حين «تشقلبت» الجماعات المدنية وتحولت إلى طوائف، والمثقفون إلى سدنة وحراس طوائف، والربيع العربي إلى خريف طائفي.

ولأن الظاهرة متحولة، وبالتالي تاريخية، يتوجب معالجتها سياسيا واقتصاديا وليس أنثربولوجيا. الأنثربولوجيا فضاء الثابت، إنما هي خطاب علمي يتعلق أساسا بالراسب الثقافي والديني والفلكلوري والطقوسي، وإلخ. لكنها لا تستطيع مقاربة الظاهرة في فضائها المتغير والمتحول، أي الظاهرة الطائفية بكل ما تكتنفه من تحولات وآثار لفاعل سياسي تاريخي.

المؤكد أن الثقافة الطائفية ليست هي نفسها الثقافة الدينية، ينبغي دائما التمييز بينهما. صحيح أن الثقافة عامل مهم في تركيب الظاهرة، لكنها ليست أكثر أهمية من العامل السياسي والاقتصادي، وصحيح أيضا أن الثقافة متحولة ومتغيرة على المدى البعيد، لكنها بصفتها راسبا تكاد تصبح ثابتا مقارنة بالسياسي والاقتصادي.

يتبع