آخر تحديث: 31 / 7 / 2021م - 9:27 ص

لو كان من أمري

إرهابيون على مقاعد الدراسة!

بينة الملحم صحيفة الرياض

قبل بضعة أشهر وفي مَعرض لقاء جمعنا مع سمو الأمير سعود الفيصل؛ كان من ضمن ما دار حول طاولة الحوار من نقاش ومواضيع سياسية شتّى حول أحداث الساعة، قد وجّهت لسموّه تساؤلاً بعد التطرّق لموضوع الشباب السعوديين الذين انضموا لبعض التنظيمات الإرهابية في مواطن الصراعات المجاورة، فالسعودية مع ريادتها في مكافحة الإرهاب وخبرة أجهزتها الأمنية عالمياً لأكثر من عقد من الزمان، وما حققته من ضربات أمنية استباقية أحبطت فيها أجهزتها كماً من العمليات الإرهابية محلياً ودولياً وكشفت عن كم من الخلايا الإرهابية لو كانت المكافحة الفكرية متوازية مع المكافحة الأمنية هل كنّا سنشهد اليوم هؤلاء الشباب ممن غرّر بهم أو تمكنّت منهم تلك التنظيمات الإرهابية ورموا بأنفسهم حطباً في نار مواطن الصراعات والفتن والموت؟!

في ساحة موقع التواصل الاجتماعي العالمية ”تويتر“ من أكثر الاستياءات والدهشة التي ارتسمت وكشفتها ردّة الفعل العامة وبعد إعلان الداخلية الأخير عن الخلية الأخيرة من المطلوبين أمنياً كان لافتاً صغر أعمار عدد من المطلوبين الأمر الذي دعا عددا كبيرا من الحسابات تشترك في تعليقها واستنكارها كيف استطاع تنظيم كداعش التغرير بهؤلاء وفي مثل هذا العمر الذي كان من المفترض في مثل هذا الوقت أن أهله وأسرته تتحرّى إعلان نتيجة اختباراته في المدرسة أو الجامعة لا أن تتلقى خبر إعلان اسمه مطلوباً في قائمة الإرهاب كما علّق أحد المغردين!

حينما نتحدث عن التعليم فلأن التعليم يؤدي عملاً حيوياً ومهماً ويأتي في المرتبة الثانية بعد مؤسسة الأسرة في الحفاظ على تماسك المجتمع وخلق الانتماء الوطني ومشاعر الوحدة الوطنية بين أفراد المجتمع الضرورية للحفاظ على بقاء المجتمع وتكامله التي تنعكس بالضرورة على مكتسبات الوطن الأمنية.

كان من ضمن نتائج بحث أعددته قبل بضع سنوات أنّ أهم التحديات التي تواجه مؤسسات التربية والتعليم ليست في غياب خطاب التربية الوطنية ومفاهيمها ومبادئها وأسسها، وإنما تتمثل في تحويل خطاب التربية الوطنية وقيم التوعية الأمنية إلى فعل تربوي يقدر المعلم والمتعلم على استيعابه وعلى توظيفه في حياتهما وتمثله في قيمهما الشخصية، وليس مجرّد شعارات أو عبارات تردد أو تنظيرات لا نرى انعكاسها على سلوك بعض الطلبة أو لا يتمثلها أصلاً بعض المعلمين والأساتذة من منطلق المعلم القدوة أو المربي القدوة!

المدرسة والجامعة تعدان - اليوم فقط - من أهم الطرق لمكافحة الإرهاب، وقد أكدت على ذلك كثير من التجارب الدولية في دور مؤسسات التعليم في الوقاية من الجريمة والانحراف، فالطالب يجب أن يكون واعياً بمؤديات ومخاطر الإرهاب، ودلالاته وانعكاساته، وجماعاته، وأساليبهم وسبلهم في التغرير والخداع، وما الأفكار الآمنة وغير الآمنة، «فالتوعية الأمنية» و«التربية الوطنية» بمثابة ذراعي التوازن الذي يحقق مفهوم الأمن الفكري الذي ننشده لنضمن حصانة تفكير الطلبة وشباب المستقبل بما يضمن ردع أي محاولات لخداعهم أو التغرير بهم وقبل هذا كلّه ضمان تمثل قيم ومقومات ذلك المفهومين في سلوك ومنهج المعلم والأستاذ حيث قد ثبت أن المنهج الخفي المتمثل في فكر المعلم والأستاذ يفوق تأثيراً وتأثراً من المنهج التعليمي أو المقررات التدريسية.

من الخطأ اتهام مؤسسات التعليم بالعموم في دورها لكونها أيضاً ضحية مثل غيرها من المؤسسات الاجتماعية؛ فقد فوجئت كما غيرها بتنامي ظاهرة الانحراف الفكري بين مجموعات من الشباب الذين مارسوا الإرهاب في المجتمع، لكن في الحقيقة أن المفاهيم الخاصة بالأمن الفكري لا تضخ مباشرة في المعلم أو المنهج أو الأنشطة الطلابية ما لم تكن هناك إستراتيجية مبنية أساساً على تحقيق مفاهيم الأمن الفكري بين عناصر العملية التربوية جميعها، لأنه من الخطأ أن نعتقد أن المعلم أو المنهج أو الأنشطة الطلابية هي وحدها عناصر العمل التربوي.

فالفلسفة التربوية الناجحة هي التي تستطيع أن تبني سياسات واضحة ومتينة وبالتالي قادرة على ضبط عناصر العملية التربوية بشكل كامل ومتناغم مع جهود الدولة وعمل أجهزتها الأمنية ليصبح طلبة اليوم شباب وعماد وطنهم، لا حطباً في مواقد أجهزة استخبارات خارجية وصراعات سياسية خارج حدوده أو قنبلة جاهزة للتفجير في أيدي التنظيمات الإرهابية.