آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 11:12 م

قبل فوات الأوان... تعالوا لننقذ مفهوم الدولة الوطنية

أنس زاهد * صحيفة الوسط

منذ ارتكاب جريمة القديح المزلزلة في محافظة القطيف شرق السعودية، وتلتها بعد أسبوع جريمة تفجير مسجد الإمام الحسين في حيّ العنود بمحافظة الدمام شرق المملكة، والمطالبات بسنّ قانونٍ يجرّم الطائفية والتحريض والمساس بالوحدة الوطنية، لا يكاد يتوقف. وهو ما أجده مبرَّراً ومنطقياً ومنتظراً، كردة فعل طبيعية لفداحة المصاب ووحشية الجريمة.

شخصياً طالبت عبر العديد من المقالات بسنّ مثل هذا التشريع، فالجريمة وقعت قبل القديح، بل وقبل الدالوة «الإحساء» بزمن. الجريمة الحقيقية وقعت منذ أن أصبح التحريض مهنةً يشتغل بها الحاقدون والراغبون في استيراد الحروب الأهلية المشتعلة في أكثر من مكان بالمنطقة، كحلٍّ يمكنهم من التسريع بإقامة «دولة الخلافة».

لكن الآن وبعد أن حدث ما حدث، أرى أننا مدعوون كدولة ومجتمع، لطرح سؤالٍ لن يكون لقانون تجريم الطائفية من جدوى، قبل الوصول إلى إجابة عنه: هل المواطنة بحاجةٍ إلى فتوى شرعية تبيح التعايش مع المختلف ولا ترى مانعاً شرعياً في منحه كافة حقوق المواطنة، أم أن المواطنة قيمة تستمد وجودها من صميم ذاتها وليست بحاجةٍ إلى ما يشرعنها؟

الإجابة عن هذا السؤال هي التي سوف تحدّد ما إذا كانت لدينا الإرادة الفعلية لمواجهة أنفسنا ولإعادة تقييم أولوياتنا وفلسفتنا في مواجهة الإرهاب، أم أننا لم نستشعر الخطر في حجمه الحقيقي بعد!

وحتى لا يكون السؤال مجرداً، أرى أنه من الضروري إعادة صياغته بشكل أكثر تفصيلاً: ما هو شكل الدولة التي نريد أن نحيا فيها؟ هل نحن راغبون في العيش داخل دولة حديثة تكون المواطنة ركيزتها الأساس، ويكون الولاء فيها للوطن مقدّماً على كل الولاءات الأيدلوجية، أم أننا نريد العيش داخل دولة الجماعة، حيث لا اعتراف بالمواطنة خارج حدود الانتماء للمذهب أولاً ولأيدلوجية الجماعة ثانياً، كما هو الحال في نموذج ما يسمى ب «دولة العراق والشام الإسلامية»؟

المسألة لا يمكن طرحها في رأيي من خارج هذا الإطار، فالمنطقة تشهد منذ سنوات صراعاً دامياً بين النموذجين: نموذج الدولة ونموذج الجماعة، فأي نموذج نريد له أن يسود؟ هل مفهوم الدولة الوطنية التي تستند إلى مرجعية المواطنة، أم نموذج الجماعة الذي يستند إلى مرجعية الفتوى ومنطقها؟

إن مبدأ الدولة الوطنية ومنطقها الخاص، لا يمكنه أن يتعايش مع مرجعية أكبر من مرجعية المواطنة، على العكس تماماً من منطق الجماعة التي تنظر إلى الوطن بوصفه وثناً يجب تحطيمه! ولعل عبارة «طظ في مصر» التي قالها المرشد السابق لجماعة الإخوان المسلمين في مصر، مهدي عاكف، في معرض ردّه على سؤال وُجّه إليه، تعد أفضل تلخيص للمسألة الوطنية في فكر الجماعة... أية جماعة.

إن الخطر الحقيقي يكمن في أن جزءًا من المجتمع المرتهن لوعاظ الطائفية، يعتقد بأن المواطنة في حاجةٍ للفتوى كي تشرعنها. وهذا يعني أن الوطن متغيّر في حين أن الفتوى هي الثابتة! إنه انقلاب خطير ينذر بتقبل تقويض كيان الدولة داخل العقل الجمعي، طالما أن مبدأ المواطنة سيضعني في السلة نفسها مع من أعتقد بكفره ومعاداته لله ورسوله والإنسانية جمعاء، كما يقول بذلك عدد كبير من الفتاوى، والقنوات الفضائية، والخطب، والمناهج الدراسية، والمقالات الصحافية.

إن تجريم الطائفية والحضّ على الكراهية، يجب أن تسبقه إجابةٌ واضحةٌ عن هذا السؤال الذي لا أجد بدّاً من تكراره: هل الوطن ثابت لا يُسمح لأحد المساس به، أم أن الفتوى مقدمةٌ عليه وهي التي تشرعنه؟. إذا كنا نرى بأن الفتوى مقدّمةٌ على الوطن، وأننا قادرون على تأمين الفتاوى اللازمة من رجال الدين ذوي المصداقية والاعتبار، لشرعنة مبدأ قداسة الوطن والمواطنة، فإننا سنكون قد غفلنا عن أن كل فتوى تستدعي حسب طبيعة تكوينها بل وحسب طبيعة وظيفتها، فتوى أو فتاوى أخرى مناقضة أو مضادة. وعندها فإن المواطن لن يلام فيما لو رجّح فتوى على أخرى، طالما أن الأمر لن يخرج عن اختيار أحد الاجتهادات الفقهية!. وعندها فعلينا أن نستعد لمواجهة بيئة داعمة - في جزء منها - لفكرة القتل على الهوية المذهبية، وهذه البيئة التي تفرّخ الإرهابيين بشكل أوتوماتيكي، أخطر بكثير من الإرهابي الذي يُعدّ مجرد إفرازٍ طبيعي من إفرازاتها.

الدولة الوطنية لا تقبل المساومة على الوطن ولا تسمح بطرحه للنقاش الأيدلوجي، لأنها تعتبر أن المواطنة فوق كل المرجعيات، وهذا ما جعل من القوانين المحاربة للتمييز في الدول المتقدمة، ترجمةً واقعيةً ونتيجةً اجتماعيةً حتمية، قبل أن تكون نتيجةً قانونيةً، للمفهوم السائد للمواطنة، حيث أن المواطنة حسب تلك المجتمعات تبرر نفسها بنفسها.

من دون شك فإن سن القانون سيكون له نتائج مهمة، لكن مراجعة مفهوم المواطنة وتحريره من أية مرجعية، وبالذات مرجعية الفتوى، هو الخطوة التي يجب أن تسبق سنّ القانون، لأن هذه الخطوة ستجعل الغالبية الساحقة تحسّ بأن القانون يعبّر عن إرادتها، وليس مفروضاً عليها.

إن المهمة صعبة، خصوصاً بعد أن مارس المحرّضون والتكفيريون كل ذلك الهدم الممنهج على مدار سنوات طويلة، لكن المرحلة المقبلة لن تتطلب أقل من ذلك.

يجب أن يفهم الجميع، الكبير قبل الصغير، أن الوطن هو من يمنح الشرعية لا من يطلبها.

كاتب سعودي