آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 11:12 م

المتلونون وقانون التجريم الطائفي!

حسين أنور السنان صحيفة اليوم

ليس بخاف على الجميع مقدار الشحن والتوتر بين الشيعة والسنة في العالم الإسلامي بشكل عام، على مستوى المدرسة الفقهية والمؤسسات والهيئات الدينية، وعلى مر التاريخ الإسلامي، الذي يمثل فيه هذان المذهبان ركيزتين أساسيتين والذي لم تستطع إحداهما إلغاء الأخرى بالرغم من المئات بل الآلاف من الخطابات والكتب والمناظرات والشد والجذب.

في السابق ولغاية زمن ليس ببعيد كانت كل الخلافات تنحصر في الجانب النظري العلمي من قبيل الخلاف في التفسير والحديث وبعض الحوادث والروايات التاريخية، ولكنه ومهما اشتدت وتعالت نبرة الخلاف بين الفريقين، إلا أنها لم تتعد الجانب العلمي البحت، بالرغم من بعض التحريض العنيف من هذا الطرف أو ذاك.

في السنوات الفائتة تطور الأمر إلى المواجهة والمصادمة المادية بين الفريقين من بعض الجماعات التكفيرية المتعصبة في بعض الدول: كباكستان وأفغانستان التي استغلت توتر العلاقة التاريخية بين السنة والشيعة عبر تحويلها إلى مظاهر عنف مسلح وقتل على الهوية الطائفية، إستناداً إلى فتاوى التكفير وإباحة الدماء، بالرغم من الكم الكبير من الفتاوى المضادة ومن كلا الفريقين التي تقر وتعترف بإسلام وأخوة الآخر، ولكن وكما هي سنة الحياة فإن الصوت النشاز هو الذي يطغى على صوت العقل والمنطق!

أبتلينا في الأشهر والأسابيع الماضية بوصول براثن ذلك العنف الطائفي الخبيث إلى بلدنا في سابقة هي الأولى من نوعها في المملكة، وتمثل ذلك في حادثة الدالوة الإرهابية وتفجير مسجدي القديح والعنود، الذي راهن منفذوهم على إشعال نار الفتنة الطائفية بين السنة والشيعة بالمملكة، وجر نيران الاحتراب الطائفي المحيطة بنا إلى بلدنا.

النتيجة وكما لاحظ الجميع كانت عكسية تماماً، فتلك الحوادث كشفت عن الوجه المشرق للمجتمع المسالم في المملكة، الذي رفض بكافة مكوناته المعتبرة تلك الجرائم، حتى أولئك المتعصبين الذين امتلأت وسائل التواصل الاجتماعي بخطبهم وعباراتهم العنيفة والتحريضية تجاه الآخر وجدناهم يستنكرون الحوادث ويرفضونها، خصوصاً بعد حادثة القديح، التي أعقبها خطاب خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز، وتحذيره الصريح والواضح بأن الدولة ستعاقب وبشدة حتى أولئك المتعاطفين مع الفعل الإجرامي البشع.

وتزامناً مع تلك الأحداث الأليمة، ظهرت على السطح مرة أخرى دعوة بعض أعضاء مجلس الشورى التي تدعو إلى سن قانون التجريم الطائفي والعنصري، والتي طرحت على رئاسة المجلس قبل ثمانية أشهر عقب حادثة الدالوة، ولاقت صدى شعبياً واسعا وتأييدا اجتماعيا كبيرا. وبالرغم من أهمية هذا القانون البالغة، وبالرغم من علمنا بأن القوانين لا تخلق حالة وردية في نفوس من يخضعون إليها، ولا تغير من معتقداتهم وثوابتهم شيئاً، إلا أننا أيضاً متفقون بأن القانون سيعمل كصمام أمان لحفظ السلم الأهلي من تهديدات وترهات المتلونين، الذين يركبون الموجة وفق ما تقتضيه مصالحهم الفئوية، وسيحمي قانون التجريم الطائفي الأجيال القادمة ومقدرات الوطن من أراجيف محدودي النظر، وسيعمل على غلبة وشياع صوت العقل والمنطق الذي تتبناه الغالبية العظمى من المواطنين الذين يتطلعون إلى العيش بسلام في وطن آمن.

القانون يفضي إلى النظام والعدل، حتى إن كان ثمن تطبيقه باهظاً لدى البعض الذي سيعمل ضد مصالحهم، إلا أنه وعلى المدى البعيد سيحفظ أبناء هذا البلد بعد الله من شرور الطائفية، التي نرى بأعيننا كيف صنعت بالشعوب من حولنا وكيف دمرت بنيتها الإنسانية التي لا تقدر بثمن.