آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 11:12 م

ميثاق «الأخوة الوطنية»

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

نصون الوطن بأن نصون الأخوة التي جمعتنا على ترابه وتحت سمائه، فأرخص لنا خيراته، وأورف علينا أمنه واستقراره. ومَن يشغلوننا بضوضائهم تارة والترويع والقتل تارة لتدب البغضاء بين الأخوة، عليهم أن يصمتوا، لكنهم يصمتون طواعية، فهم يعانون - فيما يبدو - من حَوَل فكريّ والتباس منهجيّ فيما يتصل بوظيفة الدولة الوطنية وعلاقة مواطنيها بها وعلاقتهم فيما بينهم؛ وإلا كيف للتباغض والغلّ أن يرتقيا فوق التآخي؟! وكيف لعاقل أن يقبل الكراهية والترويع والقتل سبيلاً لعمارة الأرض؟! الحل: إلزام الجميع باحترام الجميع، ومن لديه اعتراض فليشتك للقضاء.

ولا ينبغي أن يكون لأي مواطن فكاك من «الأخوة الوطنية»؛ تخون الأخوة، تخون الوطن. وعندما تصون الأخوة، تصون الوطن. علينا أن نُصرّ على هذا الالتزام الأساسي فيما بيننا على مستوى المواطن الفرد، وإلا فكيف لنا أن نجمع بحماسٍ وأريحيةٍ: الزند للزند، والعقل للعقل، والابداع للإبداع لإقامة حضارة متقدمة واقتصاد متنوع وقوده جهود وإبداع أبنائه، والكثير الكثير من الفضل والمعروف والتراضي فيما بينهم؟! وكيف لأي منا الادعاء أنه ينمي وطننا ويقويه في حين أنه يَعيبُ في مواطنيه وينتقصهم، دون أن يَرف له جفن كونه - في حقيقة الأمر - يعيب في وطنه وينتقص من قدره؟!

تأسست المملكة - رعاها الله - وفق إطار جامع. ورغم ذلك فهناك من المواطنين من يبدو وكأنه يريد أن ينأى بنفسه عن بقية مواطنيه، أو أن يختص البلد له ولمن يُحب فيفضل أشخاصاً يشبهونه بطريقة أو بأخرى! ومن إفرازات ذلك التجاوز اللفظي أو ممارسة التميز والاقصاء - بصورة أو أخرى - أو حتى تجاوز كل ذلك للتحريض أو حتى التعدي على حرمة مواطن آخر وحرماته.

و«الأخوة الوطنية» أخوة بمعنى التساوي بين الأشقاء «وإن كانوا من «أمهات» عدة»، فهذا النوع من الاخوة أساسه الالتقاء في الوطن، وإن اختلف العرق أو المذهب أو السحنة أو القبيلة أو المنطقة أو أي عنصر آخر قد ينفَذ منه البعض لتفريق الجماعة ولتشتيت الشمل، إذكاءً لما يحسبونه تفوقاً لمواطن على آخر. وفكرة الميثاق بسيطة لا تعقيد فيها، وترتكز إلى أن المملكة العربية السعودية حضنٌ لكل مواطنيها، وما دام كل منا يحمل بطاقة هوية وطنية، فنحن «أخوة» من هذا الجانب، وحق مُلزمّ للمواطن على أخيه في الوطن الاحترام والتقدير وقبل ذلك عدم الظلم والبهتان. وبالضرورة فإن ذلك يستوجب تجريم مَنّ «يأنف» أو «يكره» أو «يحرض» أو «يؤذي» أو «يُميز»، باعتبار أن ذلك خيانة ل «الأخوة الوطنية».

ولا يتعارض ميثاق «الأخوة الوطنية» مع صدور لنظام مكافحة التحريض الذي طال الحديث عنه، لكنه أعلى شأواً؛ باعتبار أن التحريض قيمة سلبية تنطوي على هدم المجتمع وتقويضه، ومنع التقويض شرط ضروري لبناء مجتمع قوي لكنه ليس شرطاً كافياً لجعل المواطنين متآخين. فما يبني مجتمعاً قوياً هو تشجيع ومكافأة التراص والتعاون والتآزر وليس فقط منع التنافر بين لبِناته. وطلباً للتحديد، فإن ميثاق «الأخوة الوطنية» يقنن التزامات المواطن تجاه مواطنيه؛ فلا يخونه ولا يضاره ولا يهينه ولا ينتقصه، وإن كان عليه مأخذ فليلجأ للسلطات المختصةِ لتحريك دعوى. ولا أعارض صدور نظام «قانون» يُجرّم التحريض بكل أشكاله لاسيما الطائفي، فقد تناولت في هذا الحيز أهمية صدوره مراراً، بل أقول إن ميثاق «الأخوة الوطنية» هو ما سيجعل كل مواطن فرد أمام مسئولية وطنية محددة مكلف بها ليس بوسعه أن يحيد عنها أو يميل. والفرق بين ميثاق «الأخوة الوطنية» أننا نتحدث عن القيم الجيدة التي يلتقي حولها المواطنون، في حين أن التحريض والعنصرية والطائفية هي ممارسات سيئة تفرق الشمل. والنقطة هنا أن منع الفعل «السيئ» ليس كافياً، فهو لا يمثل الغاية والطموح. ما يستحقه وطننا منا أن نتعاضد لخدمته ورفع شأنه، وأن نتجاوز «فوارقنا» لنلتقي ضمن حياضه، ومن لا يقبل منا بذلك فهو مقصر يستحق العقاب، فالأمر ليس اختيارياً بل التزام متساو تقع مسئولية القيام به على كلٍ منا بذات القدر.

ميثاق «الأخوة الوطنية» عبارة عن وثيقة ملزمة لكل مواطن، وتمثل ما عليه تجاه مواطنيه من واجبات، وما له عليهم من حقوق. ولعلي أذكر أن العديد من الدول والهيئات والمؤسسات والمنظمات تضع مواثيق لأمر أو لآخر، فمثلاً نجد بعض المؤسسات تضع ميثاقاً للأخلاق والممارسة المتوقعة من موظفيها أو المنتسبين لها، عليهم الالتزام بها وإلا يكون قد ارتكب مخالفة أخلاقية طبقاً للميثاق. مثل الابتعاد عن الفساد وتلقي الرشاوى، فإن ثبت عليه ذلك سيعاقب وفق النظام المختص، لكنه مباشرة يفقد وظيفته باعتبار أنه أخل بالميثاق الأخلاقي لتلك المؤسسة. وما يجمعنا في وطننا أعظم من ذلك وأخطر.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى