آخر تحديث: 21 / 10 / 2021م - 11:12 م

إني أخاف الله

صباح عباس

ما حدث لم يكن حلما، لم يكن كابوسا، كانت المفاجأة وكانت الصدمة!

كان الحدث فوق التوقعات وفوق التقديرات وفوق الحسابات، لقد أذهلتنا هذه الأحداث الموجعة، وزلزلت بنا الأرض، ولا زلنا بين مصدقين ومكذبين، ولم نعد مدركين لما حدث، وكيف حدث؟!

إن بين رسالة الموت ورسالة الحياة خيط رفيع، وبين منهج الحق ومنهج الباطل كلمة واحدة.. إني أخاف الله

«لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف الله رب العالمين»

شتان بين ثقافة الأرض وثقافة السماء، إن ما بينهما مفارقة أزلية لا يمكن أن تلتقيا، وهل يجتمع الأضداد؟ أم هل يجتمعا الليل والنهار، والظلام والنور.

إني أخاف الله.. الله هو محورنا وهو مركزنا، ومحور وجودنا وحياتنا.

إننا نستطيع أن نقابل القوة بالقوة، والعنف بالعنف، ليس عجزا منا، ليس ضعفا ولا جبنا. لكن ما يمنعنا..

إني أخاف الله رب العالمين

إنها قناعاتنا المستقرة في أهاننا وسلوكنا حتی ولو كانت ضد استبقاء الحياة، فنحن لا نمارس التمرد ولا التعدي علی منهج السماء.

لا شيء في حياتنا، لا شيء في وجودنا، لا شيء في محافلنا ومجالسنا ومجالسنا سوی الله.

إنها ثقافتنا الرصينة المتصلة بثقافة جميع الرسالات والنبوات، إنها ثقافة القرآن وثقافة أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين. إنها ثقافة الحسين ومدرسة الحسين وتربية الحسين لقد خلقنا وعجنا من فاضل طينتهم، وهل يرجع الفرع إلا إلی أصله وجذوره.

لقد أرادت يد البغي والإجرام تفجير الوضع في خندقنا الإيماني لترويعنا، وضرب وحدتنا، وتفتيت شملنا، لكن ذلك لا يزيدنا إلا إصرارا وتمسكا وقوة.

إننا أبناء الإمام السجاد الذي قال للأشعث بن قيس لما هدده بالفتك به..

«أ بالموت تخوفني يا ابن الطلقاء، ألم تعلم أن الموت لنا عادة وكرامتنا علی الله الشهادة.»

إننا عشاق الشهادة وطلابها، إننا نتدافع ونتسابق لنيلها، ونبكي ونطيل النياحة للحصول عليها.

أجل هذا ما حدث، وهذا ما أبهر العالم من أقصاه حتی أقصاه.

لقد تزاحمت صفوف المصلين بالمئات في مسجد الإمام علي ع في قديحنا الجريح في أقل من 48 ساعة، وتوافدت الآلاف من العاشقين للشهادة في ساحة مسجد الإمام الحسين ع في حي العنود تحت الشمس الحارقة شوقا للالتحاق بركب الشهداء الأبرار.

لقد أيقظتنا هذه الأحداث لنبعث من جديد ونكون مع قناعاتنا الإيمانية ورساليتنا وبأعلی مستوی من الثقة بالله والتوكل عليه وتفويض الأمر إليه.

الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم، فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل.

لقد كشفت هذه الأحداث المروعة أصالة أهلينا، وارتقاء ثقافتهم، وصفاء معدنهم.

كشفت حقيقة الحس الإنساني والإيماني المتجذر في وعيهم الديني والأخلاقي.

لقد زادهم الخطب قوة إلی قوتهم وثباتا إلی ثباتهم.

لقد أثبت أهلينا في الدالوة والقديح وحي العنود في الدمام بأننا مجتمع الإبداع، ومجتمع الحضارة والرقي، ومجتمع الكرامة والإنسانية.

وهنا سأشير إلی عدة رسائل..

إلی أمهات الشهداء

يا عوائل الشهداء إنكم بأعيننا، إنكم في قلوبنا، إنكم في أرواحنا ومشاعرنا ووجداننا.

إنكم معنا، ونحن معكم، لقد شملنا هذا الألم وهذا الحزن، كما شملكم وآلمكم.

أقف اليوم لمقاماتكم الشامخة إجلالا وإكبارا.

صفوی بكل ما فيها.. سماؤها وأرضها، كبيرها وصغيرها، رجالها ونساؤها، حجرها ومدرها، تنحني أمام هذه التضحيات، وتقبل الأرض التي تقفون عليها، لنرسم قبلة حانية رحيمة علی جبين كل الفاقدات والمفجوعات.

ما أروعكم، وما أصدق مواقفكم، لقد سطرتم أروع معاني الوعي والصمود الذي سيسطره لكم التاريخ وستذكره الأجيال في تعاقب الأزمان.

أقول لكم.. ارفعوا الهامات عاليا، ارفعوا رؤوسكم صوب السماء واسألوا الله أن يتقبل هذه القرابين خالصة لوجهه.

إلی بناتنا الزينبيات

أنتن ذخر الأيام، أنتن الرهان القادم، أنتن وقود الرسالية والوعي، إننا نعول عليكم الكثير الكثير.

اتخذوا من شهداء الصلاة إنموذجا، واجعلوهم شعلة تضيء لكم درب الاستقامة والالتزام والتقی.

اجعلوا من حماة الصلاة رايات وآيات، فهذه الأغصان الرطيبة قدمت أرواحها وحياتها فداء للدين ولكل القيم الإنسانية النبيلة حينما تجاوزوا ذواتهم، من أجل حماية مئات المصلين في محراب العبادة.

إلی الرجال والنساء

علينا أن نرفع سقف مطالبنا، بأن نستمر في المطالبة بحقوقنا دون توقف.

علينا أن نحفظ دماء شهداءنا، وحتی لا تضيع هذه الدماء أدراج الرياح لنعمل علی أن تكون مطالبنا نوعية واستثنائية كهذا الحدث النوعي والاستثنائي.

لقد انتهی وقت الصمت وحان الوقت لنطلق العنان لأصواتنا وكلماتنا ومواقفنا ومبادراتنا.

لقد قدمنا 34 شهيدا مخضبين بدمائهم، وهنا نقول..

لا للمزيد من الدماء

لا للمزيد من الشهداء

لن نقف خلف المنابر ونقف في زوايا هذه المحافل!!

ليس هنا الحل! وليس هنا الخلاص!!

علينا جميعا، كل فرد فينا، رجالا ونساءً، أن نصر وندعو ونطالب بحقوقنا كما ينبغي، ليس من أجلنا، بل من أجل أبناءنا.

ليس من أجل الحاضر، بل من أجل المستقبل.

وهنا أشيد بالدعوة النوعية التي دعا إليها سماحة الشيخ محمد العبيدان بتأسيس مجلس علمائي يضم نخبة من علماءنا من مختلف مناطق المملكة لتمثيل الطائفة والمطالبة بحقوقها المشروعة.

إنها دعوة متقدمة ومطلوبة ونوعية ترتقي بمستوی الظروف الراهنة، نتمنی أن تلقی أذانا صاغية لتأخذ موقعها علی الأرض دون تباطؤ أو تأجيل هذا أولا.

وثانيا اقترح بعض الأخوة المؤمنين عبر وسائل التواصل الاجتماعي إلی وحدة أربعينية الشهداء في كل من القديح وحي العنود ليكون حفلا تأبينيا مشتركا وواحدا.

انها دعوة جادة لنكون معا..

في خندق واحد، وصف واحد، وشعارات واحدة، ومطالب واحدة وواضحة، وبأعلی مستوی من الإعداد والتحضير والجهوزية.

كلنا أمل أن تصل هذه الدعوات لأهالي الشهداء ليكون التفاعل معها جادا وماثلا، والعمل عليها مبكرا، وستكون النتائج بإذن الله فوق ما نطمح ونتمنی.

كما نأمل أن يفتح المجال لعنصر المرأة للمشاركة التضامنية الميدانية في هذا التجمهر المليوني وهذا الحدث التاريخي لما لها من دور رسالي عليها تأديته ضمن تنظيمات وإعدادات مسبقة لنجاح الفكرة.

إلی العدو الباغي

نقول للشيطان الغادر.. لن تخيفنا أيها الجبان، ولن نتخلی عن منهجنا ورساليتنا وشعائرنا.

لن نتخلی عن ذلك ولو قطعتمونا وفجرتمونا وتحولت أجسادنا إلی أشلاء

إننا نردد ونقول ما قاله مسلم بن عوسجة ليلة العاشر من المحرم الحرام حيث قال للإمام الحسين :

أما والله لو علمت أني أقتل ثم أحي ثم أحرق ثم أحي ثم أذری يفعل بي سبعين مرة ما فارقتك يا ابن رسول الله.

وأخيرا.. نسأل الله تعالی أن يتغمد شهداءنا بالرحمة والرضوان، ويحشرهم مع محمد وآل محمد، وأن يكتب الشفاء العاجل لجرحانا وكل المصابين إنه سميع مجيب، وصل اللهم علی محمد وآله الطيبين الطاهرين.