آخر تحديث: 31 / 7 / 2021م - 9:40 ص

الخندق «معركة اليوم»

بندر سالم الفردان

من السنن التاريخية التي تجري في حياتنا الدنيا وكما قيل أن الزمن يرجع كما سبق القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب خرب لدخلتموه كما في الحديث، فعلينا أن نقرأ التاريخ بتمعن، وإذا دققت النظر فستؤمن بمقولة ما أشبه الليلة بالبارحة لوضوح الشبه. ومن تلك الأحداث ما جرى في مثل هذا الشهر من السنة الخامسة للهجرة من تاريخ أمتنا الإسلامية العظيمة غزوة الخندق أو الأحزاب، التي امتازت هذه الحرب باستراتيجية حربية سندركها معي بعد التعرف على المعركة.

أولا: لمحة موجزة عن معركة الخندق

1 - حدثت في شهر شوال من السنة الخامسة وانتهت في السابع من ذي القعدة.

2 - كان عدد المسلمين ثلاثة آلاف، والمشركين عشرة آلاف.

3 - وضع الرسول ﷺ عبد الله بن أم مكتوم على المدينة خلفا عنه.

4 - وضع النساء والذراري في آطام وهي الحصون كحصن بني حارثة وفارع.

5 - كان شعار المسلمين ”حم لا يُنصرون“.

6 - فخر سلمان الفارسي بقول رسول الله في حقه: ”سلمان منا أهل البيت“ وهي أول معركة له.

7 - سميت الحرب بالخندق نسبة للحفر الذي أمر به النبي ﷺ بحفره فجعلوا ظهورهم إلى جبل سلع والخندق بينه وبين القوم. ولتحزب واجتماع المشركين مع اليهود سميت بالأحزاب.

8 - جعل لكل قوم جزء من عمل حفر الخندق. والنبي ﷺ يقول: ”اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للمهاجرين والأنصار“.

9 - أول نواة الحرب بدأت بتحريض بني النضير كسلام بن أبي الحقيق وحيي بن أخطب وغيرهم.

10 - قائد المشركين من قريش أبو سفيان ومعهم بنو كنانة وأهل تهامة، ومن غطفان عُيينة بن حصن بن حذيفة في بني فزارة، والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في مرّة، ومِسعر الأشجعي في الأشجع ومن تبعهم من أهل نجد.

11 - استمر حصار المشركين للمدينة بضعا وعشرين ليلة ولم يكن إلا النبل والرميّا.

12 - احتجاج المنافقين بأن لا طاقة بالحرب وأن بيوتهم عورة وتركهم للعمل في الخندق، حتى قالوا: كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى الغائط.

13 - ظهر في هذه المعركة وفي حفر الخندق عدة معاجز للنبي ﷺ ككرامته في تمر ابنة بشير بن سعد وطعام جابر بن عبدالله، ورؤية سلمان الفارسي حين ضرب النبي بمعوله تلك الصخرة ويبرق ويلمع يضيء به المدينة وهو يبشره بفتح عظيم سيشمل بقاع عدة.

لقد استعان المصطفى ﷺ في حربه تلك بمشورة بعض الصحابة، فسلمان الفارسي بحفر الخندق، وهم الرسول أن يصالح غطفان على ثلث ثمار المدينة واعتقد أنه كان اختبارا فرفض الأنصار وقالوا أننا لم نركن إليهم ونحن أهل جاهلية فكيف بعد أن أعزنا الله بالإسلام.

وظهرت من فرسانه الشجاعة فعلي بن أبي طالب قتل بطلهم ومن شجعانهم عمرو بن عبد ود بن أبي قيس، الذي اقتحم الخندق مع مجموعة منهم عكرمة بن أبي جهل متسللين من موقع ضيق. وأصيب سعد بن معاذ بسهم في كاحله أو عرق في الذراع ومات لا حقا بعد غزوة بني قريظة.

• هذه الحرب تستطيع تسميتها بحرب المكر والخديعة والاغترار فانخدعت مجموعة كبيرة أدت إلى خسارتهم الكبرى كما سترى، فأول الخداع بدأت بيهود بني النضير بخداع قريش حين ذهبوا إليهم بمكة أنهم سينصرونهم على محمد وأن يُبيدوهم، فسألوهم قريش سؤال عجيب: أديننا خير أم دين محمد؟ فأجابوهم بأن دين الأوثان خير. فاستعزوا بذلك. فهذه خدعة خدعت به المشركون.

ثم بدأت بخداع بني قريظة التي كانت في عهد وجوار مع النبي ﷺ فأغروا بهم حتى نقضوا العهد.

هذا النقض تفاجأ رسول الله به وفي هذا الظرف الذي نحن في حصار حتى أرسل سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ومعهما عبد الله بن رواحة ليعرفوا صحة ذلك، فإن صح فلا يخبروا أحدا وليقولوا بكلمة لا يفهمها أحد وإن لم يصح الخبر فاجهروا به، ولما عرفوا قالوا: عضلٌ والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع.

إذن لا بد من الخديعة معهم وبمعونة عقلاء بعض الصحابة فاختيار نعيم بن مسعود الذي أسلم ولم يعلموا بإسلامه أصحاب تلك الطوائف بل وكان صديقا لهم، استشار على النبي ﷺ ونجح في ذلك: فانطلق إلى قريظة أن الديار دياركم ولا تأمنوا قريشا فإن انتصروا كان بها وإن انهزموا خلوكم ومحمد، فما لكم إلا أن تأخذوا من رجال قريش ثقة وتضعوهم عندكم.

وذهب إلى قريش وقال لهم: أن اليهود قد ندموا على ما صنعوا بينهم وبين محمد، والدليل على ذلك أنهم سيسألونكم بعض أفرادكم لو أعطيتموهم لأعطوهم محمدا ليضرب أعناقهم حتى يشهد بصدقهم. وذهب إلى غطفان فذكر ما ذكر لقريش.

ولما آنت الحرب ليلة السبت أبت اليهود المقاتلة لأنه يوم لا يُعمل فيه، ولا نقاتل حتى تعطونا من رجالكم، هنا دب الخوف في صفوف المشركين وقالوا صدق نعيم، وهكذا غطفان.

وبعث الله بريح في ليال شاتية باردة شديدة البرودة فجعلت تكفأ قدورهم وتطرح أبنيتهم.

حتى بعث النبي ﷺ حذيفة بن اليمان ليرى ما يصنع القوم، فإذا أبو سفيان ينادي أصحابه كل ينظر من بجواره، فجعلت أسأل صاحبي من أنت قبل أن يسألني. حتى نادى أبوسفيان بالرحيل، ولولا عهد رسول الله لرميته بسهم فقتلته. وسمعت غطفان ذلك وانصرفوا.

ألحقت العار والهزيمة في صفوفهم ورجع النبي ﷺ إلى المدينة، إلا إن جبرائيل أخبره أن السلاح لم يوضع بعد إلا في بني قريظة، فنادى المنادي لا يصلين أحد العصر إلا في قريظة، فدام حصارهم خمسا وعشرين ليلة، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ الذي أمر بقتل رجالهم وسبي نساءهم وأموالهم.

لم يستشهد من المسلمين في هذه الحرب إلا ستة

سعد بن معاذ، عبد الله بن سهل، الطفيل بن النعمان، ثعلبة بن غنمة، كعب بن زيد، أنس بن أوس.

وفي يوم قريظة خلاد بن سويد وقيل ثلاثة. رضوان الله عليهم أجمعين.

أما في صفوف المشركين ثلاثة: عمرو بن عبد ود، منبه بن عثمان، نوفل بن عبد الله بن المغيرة.

ودعا الرسول عليهم بقوله ”لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده فلا شيء بعده“ لم تغزهم قريش بعد هذا اليوم بل كان المسلمون هم الذين يغزوهم حتى فتح الله عليه مكة.

انتهت الحرب وكانت نتائجها

خوف قريش من المجيء إلى المدينة للغزاة. وجرأة المسامين على غزاهم.

الحكم بناقضي العهود بحكم غليظ شديد.

ما هو المستفاد من هذه الحرب؟

يؤمن البعض بصدق الكثير من الشائعات من هنا وهناك، ولا يدري أن هناك من يبثها بغرض تقسيم الأمة وتحزبها، في حين أنه يوجد من يستفيد من هذا البُعد والتفرق، ولا ندرك كم قد خسرنا إلا بعد أن يمضي الوقت ويحصل ما عاقبته إلى أسفل. وبعيدا عن الأسماء المذكورة من ستختار من بين تلك الطوائف: المحرِّض؟ المخدوع؟ المتحصّن؟ المغرر بهم؟ وستعرف أن المحرض سيبتعد عندها أي عند المواجهة. وأن المخدوع بمجرد الخوف سينهزم. والمتحصن بخندقه سيفوز. في حين المغرر بهم سيواجهون الحكم بالسيف وخسارة الدنيا والآخرة.

حفظ الله بلادنا وبلاد أمتنا من كل سوء وشر.

السيرة النبوية، سيرة ابن هشام من ص184 - 217

تاريخ ابن الأثير ”الكامل في التاريخ“ ج2ص175 - 184

تاريخ الطبري ص426 - 432

البداية والنهاية لا بن كثير ص660 - 673