آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

تخوم الشعر والفلسفة

نذير الماجد صحيفة الشرق

هو الشيء ذو العلاقة باللغة الذي يشكل القاسم المشترك بين الفلسفة والشعر؟ يجيبنا الشاعر كريستيان دوميه بأنه إبطال الاعتقادات المرتبطة بعملية الدلالة. ولكي تتمكن الفلسفة من بلوغ هذه الغاية عليها أن تستدخل الشعر، بحيث يبدو الحدث الفلسفي حدثاً شعرياً.

إن الفيلسوف والشاعر يتقاسمان وجودهما المرآوي الذي هو اللغة تحديداً، كلاهما يحترف الكلام، جاعلا من اللغة مرآة تعكس الكون، مع أنهما لا يلتقيان بحسب «جان فرانسوا ماركيه» أستاذ الفلسفة في جامعة السوربون، إلا بصفتهما وجهاً وقَفَاً. إنّ عملهما التكثيف، سعياً لإيجاد بؤرة يحتشد داخلها شتات الكون. كلاهما يسعى إذن إلى خلق المرآة: الشاعر على مستوى الدال، والفيلسوف على مستوى المدلول، حيث يشتغل الشعر على مستوى الدال لتكثيفه في شكل، فيما تقوم الفلسفة في تكثيفه داخل «مفهوم».

يعمل الشاعر على مستوى الدالّ، مُسقطاً، كما يقول ياكوبسون «مبدأ تعادل محور انتقاء «الكلمات أو بالأحرى الأصوات» على محور تنسيقها». إنّ بيتَ الشعر هو بادئ ذي بدء «خطاب يكرر كلياً أو جزئياً البنيةَ الصوتيةَ ذاتَها»، خطاب في المرآة أو في الصدى وهذه البنية الصوتية تجسد في المادة الصوتية ما تقوله القصيدة وما هو أيضا مرآة أو صدى - استعارة. إذ يرجع الكلام إلى نفسه، إذ يتمسّك ويتكثف إيقاعياً، يستيقظ وينغلق على ذاته ويقفل للوهلة عينها على الكلية المفتتة للعالم داخل سور القصيدة، فيما يسميه ريلكه داخل البيت، حيث كل شيء معد على ما يبدو لأن يختصر وينمحق في ومضة استعارة نهائية، استعارة خارقة لم يستطع أن يبلغها شيء، لكن تود كل قصيدة، مهما تكن متواضعة، أن تكون شيئاً يقاربها. إن الفيلسوف يحاول هو أيضا الشيء نفسه، لكن في هذه المرة على مستوى المدلول: ضمن هذا النسق يواصل عمل المعادلة، أو التعادل الذي قد يتيح له جمع كل شيء في وحدة مفهوم واحد.

هكذا يستميت الشاعر والفيلسوف في تعقُّب تلك المرآة المستحيلة، الشاعر وراء الاستعارة والفيلسوف وراء المفهوم. لكنهما يتشابكان على نحو ملتبس في ذلك الأدب المسكون بالفلسفة، أو الفلسفة المسكونة بالأدب.

وكما أنّ هنالك أدباً مسكوناً بالفلسفة، تجنحُ الأخيرة أيضاً لنقيضها، وتصبح هي والشعر شيئاً واحداً. لم يعد الجنون ذلك الغريب الهمجي الذي يتوجب اعتقاله لكي لا يهدد نقاء العقل وسلامة المنهج، ولم يعد الشعر حكراً على الشعراء، بل إن الفلسفة ذاتها لم تعد نسقاً. نيتشه كَتَب فلسفةً دون نسق، نستطيع القول إنه كتب نصاً لا هو بالإبداع ولا هو بالفكر النسقي المنهجي الأكاديمي. نيتشه كتب نصاً وكفى!، نصاً مفارقاً، حراً وفوضوياً، نصاً متشظّياً، يتعالى على كل هيمنة، على كل تحديد وجوهرانية، نصاً بلا هوية، نصاً رشيقاً يشبه تماماً زرادشت الذي هو وحده القادر على تسلق الجبال لتلقي تعاليم صديقه الأليف ديونسيوس.

نيتشه كان علامة فارقة في تاريخ الفلسفة، كان الأوج الذي يليق به تدشين الكتابة المشاغبة، الكتابة العصية على التصنيف والمنتهكة دائما للشروط، التي هي لهذا السبب تحديداً، الأكثر انتشاراً وصدى وإرباكاً وعصفاً ذهنياً، ممن هم داخل المؤسسة الذين يخضعون - بعبودية - لاشتراطاتها. كما أنها الأكثر تطلباً وجسارةً، فالكتابة دون نسق، دون دليل منهجي، دون خطة وقواعد، هي كتابة سائلة تدخل أرضاً بكراً وتعانق الورقة مفرغة من كل مسبق، إنها مختبر تجريبي بحت. ولذلك يبدو الخطاب الفلسفي في كل حالاته محاولة لاستنطاق لغة تتحدى إمكانية التعبير، إنه تحدي الصمت الكامن جوهرياً في كينونة اللغة.

وهكذا أجد أن بارت حين كتب «شذرات من خطاب محبّ» لم يكتب إبداعاً كما لم يكتب «دراسة»، لم يكتب شعراً كما لم يكتب فلسفة.. إنه كتب «كتابة».. نصاً متجاوزاً عصيّاً على التصنيف الجمالي والأسلوبي أيضاً، هنالك هرطقة كتابية مثيلة ارتكبها دريدا، حين لعب بالاقتباسات وحين كتب في صفحة ما يناقضه في الصفحة الأخرى..

الكتابة الدريدية والبارتية والنيتشوية هي كتابةٌ متشظّيةٌ تجنح نحو الشعر دون أن تغادر بيتها الفلسفي، متجاوزة كل التحديدات المتخشبة، كل الأجناس الأدبية «شعر، مقالة، رواية، إلخ» لتصبح مجرد نص دون أداة تعريف، إنها «نص»، أو «كتابة»، بل أكثر من ذلك: إنها «صياغة».