آخر تحديث: 23 / 9 / 2021م - 8:42 ص

فتش قلبك

بدر شبيب الشبيب *

لا بد للقلب أن يكون مشغولا بشيء ما، فالفراغ كما أنه غير موجود في الكون وعالم الطبيعة بحسب العلم الحديث، فإنه غير موجود في عالم النفس البشرية أيضا.

عن النبي ﷺ: القَلْبُ ثَلاثَةُ أنْواعٍ، قَلْبٌ مَشْغُولٌ بِالدُّنيا، وَقَلْبٌ مَشْغُولٌ بِالْعُقْبى، وَقَلبٌ مَشْغُولٌ بِالْمَولى، أَمَّا الْقَلْبُ الْمَشْغُولُ بِالدُّنْيا فَلَهُ الشِّدَّةُ وَالْبَلاءُ، وَأمَّا الْقَلْبُ الْمَشْغُولُ بِالعُقْبى فَلَهُ الدَّرَجاتُ العُلى، وَأَمَّا الْقَلْبُ الْمَشْغُولُ بِالْمَوْلى فَلَهُ الدُّنْيا وَالعُقْبى وَالْمَولى.

وبما أن الأمر كذلك، فعلينا أن نفتش قلوبنا لنعرف ما يشغلها حقيقة وواقعا. فإن كانت مشغولة بحب الدنيا، فتلك المصيبة العظمى والداهية الكبرى، إذ « حب الدنيا رأس كل خطيئة» كما ورد عن رسول الله ﷺ. وعن حفيده الإمام جعفر بن محمد الصادق قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: ‏ إِنَّ أَوَّلَ مَا عُصِيَ اللَّهُ بِهِ سِتٌّ حُبُ‏ الدُّنْيَا وَحُبُّ الرِّئَاسَةِ وَحُبُّ الطَّعَامِ وَحُبُّ النِّسَاءِ وَحُبُّ النَّوْمِ وَحُبُّ الرَّاحَةِ.

ولذا دعا الإمام علي بن الحسين في يوم عرفة سائلا الله تعالى إخراج حب الدنيا من قلبه، لما لحبها وتعلق القلب بها من آثار سلبية، حيث تبعد الإنسان عن الله وتصد عن سبيله. يقول : وَانْزعْ مِنْ قَلْبِي حُبَ‏ دُنْيَا دَنِيَّةٍ تَنْهَى عَمَّا عِنْدَكَ، وَتَصُدُّ عَنِ ابْتِغَاءِ الْوَسِيلَةِ إِلَيْكَ، وَتُذْهِلُ عَنِ التَّقَرُّبِ مِنْكَ.

أما إذا كانت القلوب مشغولة بالآخرة، فإنها ستنال ما تعلقت به من جنات تجري من تحتها الأنهار، ودرجات عالية ومقامات رفيعة عند الله.

فالأمر كما قال تعالى في سورة الإسراء:

﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا «18» وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا «19» كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا «20» انظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلاً «21»

أما إذا كان القلب مشغولا بحب الله، فهو في مقام فوق المقام الثاني، إذ الدافع هنا هو الحب، وما أدراك ما يصنع الحب، وما مقام المحبوب عند الله تعالى. لنقرأ الرواية التالية بتأمل:

قَالَ الصَّادِقُ «ع‏»: حُبُ‏ اللَّهِ‏ إِذَا أَضَاءَ عَلَى سِرِّ عَبْدٍ أَخْلَاهُ عَنْ كُلِّ شَاغِلٍ، وَكُلِّ ذِكْرٍ سِوَى اللَّهِ عِنْدَ ظُلْمَةٍ. وَالْمُحِبُّ أَخْلَصُ النَّاسِ سِرّاً لِلَّهِ، وَأَصْدَقُهُمْ قَوْلًا، وَأَوْفَاهُمْ عَهْداً، وَأَزْكَاهُمْ عَمَلًا، وَأَصْفَاهُمْ ذِكْراً، وَأَعْبَدُهُمْ نَفْساً. تَتَبَاهَى الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ مُنَاجَاتِهِ، وَتَفْتَخِرُ بِرُؤْيَتِهِ، وَبِهِ يَعْمُرُ اللَّهُ تَعَالَى بِلَادَهُ، وَبِكَرَامَتِهِ يُكْرِمُ عِبَادَهُ، يُعْطِيهِمْ إِذَا سَأَلُوا بِحَقِّهِ، وَيَدْفَعُ عَنْهُمُ الْبَلَايَا بِرَحْمَتِهِ. فَلَوْ عَلِمَ الْخَلْقُ مَا مَحَلُّهُ عِنْدَ اللَّهِ، وَمَنْزِلَتُهُ لَدَيْهِ، مَا تَقَرَّبُوا إِلَى اللَّهِ إِلَّا بِتُرَابِ قَدَمَيْهِ.

قد يسأل البعض: هل من فرق بين انشغال القلب بالآخرة وانشغاله بالله؟ والجواب: نعم، فانشغال القلب بالآخرة يكون دافعه الخوف، أما هذا فدافعه - كما قلنا - الحب.

ومن هنا كان أكبر نعيم في الآخرة، فوق نعيم الجنة ومساكنها الطيبة، هو رضوان الله تعالى:

وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ﴿وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ «72» سورة التوبة.

أضاء الله قلوبكم بحبه، وجعلكم من محبيه ومحبي محبيه.

جمعة مباركة.. دمتم بحب.. أحبكم جميعا.