آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

في رمضان.. هل تحفز الأزمة أخلاقيات التوفير؟

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

يسود هدوء قاتل أروقة الوزارات والمؤسسات

أيام قليلة تفصلنا عن شهر رمضان المبارك، شهر الرحمة والخير، شهر تحفيز الشعور بالناس وتلمّس احتياجاتهم.. شهر الإحساس بالجائعين والمحتاجين.

هكذا أراده الله لنا لينتشلنا من أنانيتنا الضيقة وحبّنا المفرط لأنفسنا إلى رحاب التضامن مع الآخرين وتخفيف معاناتهم المادية والمعنوية على حد سواء.

لم يكتب الله فريضة الصيام في شهر رمضان ليحرّم علينا الأكل والشرب فحسب، وإنما تمتد الحكمة إلى غاية أكثر عمقاً تتمثل في كبح حالة الانفلات التي جبل الإنسان عليها، ليس في ميدان المعدة فقط، بل في ميدان الروح أيضاً، لذا فإننا في رمضان نمتنع أيضاً عن الغيبة والنميمة وسوء الظن بالآخرين.

وخلافاً لتلك الحكمة التي يفترض أن تنمي فينا حب خدمة الآخرين، ينخفض معدل إنجاز المعاملات في الدوائر الحكومية بشكل كبير في هذا الشهر الكريم، ويسود هدوء قاتل أروقة الوزارات والمؤسسات الحكومية.

صحيح هو شهر استثنائي، ويجب أن نتعامل معه بشكل متميز، لكن ليس بالمعنى السلبي للاستثناء، فالشهر بطبيعته مختلف، لأنه يصطبغ بلون الرحمة والشعور بالآخرين والتفاعل مع الأحاسيس الإنسانية، وبالتالي فالواجب أن تتضاعف فيه حالات العطاء وخدمة الناس لا العكس.

مقابل هذا التراخي والهدوء، تبدو في المشهد زاوية تضج بالحركة وتشهد فوراناً غير طبيعي، إنها زاوية الأكل.. فما إن يقترب الشهر الكريم حتى يتهافت الناس لشراء أضعاف حاجتهم من مستلزمات المطبخ استعداداً لشهر «العبادة»، إنها مأساة حقيقية تتكرر كل عام.

دعونا نلقي نظرة على بعض الأرقام التي تبين سوء فهمنا لفلسفة الصيام والحكمة منه، فقد تضاعفت فاتورة المواد الغذائية الاستهلاكية خلال شهر رمضان الماضي في المملكة العربية السعودية إلى 300%، وسجّلت المطاعم في دول المجلس نمواً في مبيعاتها بمقدار 50%، وانتعشت ما تسمى «الخيام الرمضانية» وازداد معدل إشغالها ليصل إلى 80% في دولة الإمارات العربية المتحدة.

وقدر متعاملون في السوق أن المملكة العربية السعودية لوحدها استهلكت من المواد الغذائية في شهر رمضان الماضي أكثر من 37 مليار ريال، أما في قطر فإن التقديرات تتحدث عن 800 مليون ريال مقابل 500 مليون في باقي أشهر السنة، وما يؤسف له أن الكثير من هذه المواد تنتهي في حاويات النفايات، فحصة المواد الغذائية من مكونات النفايات العامة ارتفعت في شهر رمضان لتصل إلى 50%.

البعض يلقي باللائمة على التجار وتوظيفهم للدعاية والإعلان لدفع الناس للمزيد من الاستهلاك، لكن هذا لا يعفينا من مسؤوليتنا، فلو كانت مجتمعاتنا تمتلك وعياً كافياً لشكلنا حائط صد ومانعاً قوياً تجاه إعلانات تجار المواد الغذائية، لكننا نفتقد الوعي اللازم الذي يضبط رغباتنا الاستهلاكية، والذي ينظر إلى الواقع الاقتصادي بعين الاعتبار - على أقل التقديرات.

خلاصة القول: دول المنطقة تعاني من عجوزات في الموازنات نتيجة انخفاض أسعار النفط، وتئن تحت ضغوط اقتصادية، إلا أن مجتمعاتنا لا تكاد تشعر بأي فرق بين عام وآخر، فثقافة الاستهلاك مترسّخة في الأعماق، ثقافة نشأت بعد اكتشاف النفط وما لحقه من طفرة اقتصادية، ونتمنى أن تساهم الأزمة الاقتصادية في إعادة أخلاقيات التوفير والاقتصاد في الصرف.

شهر رمضان مناسبة أيضاً للاستجابة لفلسفة الصيام بتحفيز حالة العطاء ومحاصرة الإسراف وهما من مصاديق التقوى «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ».