آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

شهر الله والتحولات الاقتصادية

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

فقدان التوازن النفسي لا ينتج سلوكاً اقتصادياً متزناًعما قريب نودّع شهر رمضان الكريم، شهر التغيير والسمو الأخلاقي، شهر الانطلاق نحو الأفضل من مساحة الذات المعقدة إلى العالم الخارجي الأقل تعقيداً عبر الالتزام بممارسات أخلاقية إيجابية في علاقاتنا مع مكونات هذا العالم، وما لم يكن هذا التمدد في الممارسات الحسنة، فإن المقصد من تشريع الصيام لم يتحقق.

ارتبط فهم الكثير للآية الكريمة «إن الله لا يغيّر ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم» بالشأن السياسي، فوفقاً لهذا الاتجاه لا يحدث تغيير في المنظومة السياسية إلا بتغيير مسبق داخل الفرد، وهذا صحيح، غير أن الآية تشمل كل أشكال التغيير ومعنية بكل الحقول المرتبطة بالمجتمع ومن بينها التغيرات الاقتصادية.

الحديث عن التغيير أو التحول الاقتصادي يكتنفه الكثير من الصعوبات، فالاقتصاد كان وما زال مرتبطاً بالسياسة، بل ازداد تماهياً معها في هذا الزمان، ولسنا بحاجة إلى التذكير بأن المعادلات السياسية أصبحت معقدة إلى حد كبير، لذا فإن الحديث عن التغيير الاقتصادي من بوابة التغيير السياسي يحتاج إلى مساحة واسعة للكتابة، كما أنه يحتاج إلى مساحة أوسع من الحرية.

هنا سنركز فقط على التحولات الداخلية في أنفسنا، بحيث تقود نحو التغيير الاقتصادي، وإذا كان «فاقد الشيء لا يعطيه» فإن هذا يعني أن التحولات الخارجية لابد أن تسبقها مقدمات تنطلق من داخل الفرد.

فالفرد الذي تسوده الفوضى الداخلية لا يمكن أن يتحول إلى إداري ناجح، وفقدان التوازن النفسي داخل الفرد لا ينتج سلوكاً اقتصادياً متزناً، والانحسار العاطفي بداخلنا لا يقودنا إلا إلى ممارسات بعيدة عن الإحساس بالآخرين، وضعف الهمة والإرادة الداخلية لا تثمر إلا خمولاً واتكالية واعتماداً على الآخرين.

وكتطبيق على الواقع أكاد أجزم بأن الإخفاقات الاقتصادية التي نكتوي بها على المستوى العام هي ثمرة الإخفاق في تعبيد المسارب النفسية بداخلنا كأفراد قبل أن تكون نتيجة لأي عوامل أخرى.

وهذه ليست فلسفة دينية، ولا نزوعا نحو الميتافيزيقيا، وإنما قراءة واقعية تستخدم العقل والتجربة، وهي نظرية لها تفسيراتها وتطبيقاتها المختلفة في الغرب.

لا شك أن واقعنا الاقتصادي ليس على ما يرام وأي قول آخر إنما هو من قبيل «الطبطبة» والمجاملة، ولسنا بحاجة إلى الكثير من البراهين لنكتشف هذه الحقيقة.

ولعل في الأزمة الاقتصادية التي تمر بها المنطقة نتيجة انخفاض أسعار النفط ما يكفي لنبصر أننا لسنا بخير، فاقتصاداتنا تعتمد على النفط وبشكل لا يتعدى الاستخراج والتصدير وبعض المعالجات الأولية لهذا السائل لتعطينا بعض الصناعات البسيطة.

أحد إخفاقاتنا الاقتصادية يتمثل في ضعف مستوى الخدمات، وهي مشكلة نواجهها يومياً، بدءاً من الخدمات الصحية مروراً بالتعليم ولا تنتهي عند الاتصالات والبنوك وشركات التأمين.

هذا الهزال الخارجي سبقه وهن داخلي، لذا لا نتوقع أن يتحسن مستوى الخدمات قبل أن ننمي حالة الرفض لعيوبنا الشخصية.

إن قبول الإنسان بعيوبه واعتبارها صفات أصيلة لا تحتاج إلى تغيير، ينتهي بنا إلى استمراء كل أنواع الامتهان وسوء المعاملة أو الخدمة، سواء في دائرة حكومية أو.. أو مطعم، فتلك مقدمة لهذه والرقابة الخارجية تقتضي البدء بالرقابة الداخلية.

محصلة الكلام: إذا ما شئنا أن نخلق أي تغيير أو تحول حقيقي في الاقتصاد فإن البداية تكون من أنفسنا، عبر تهذيبها وتربيتها على ثلاثة أمور: تقدير الذات، وشكر النعمة، وحب الآخرين، ويعتبر شهر رمضان من أفضل الشهور لتنمية هذه الصفات في النفس، وإذا خرجنا من هذا الشهر ولم نحقق أي تقدم على الساحة الداخلية فإننا أبعد ما نكون عن تحقيق أي نجاحات في واقعنا الخارجي.