آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

الحاجة ليست أم الاختراع

ناصر موسى الحسين صحيفة لوسيل القطرية

اقتصادياً، ينظر الكثير إلى مياه البحر من زاوية التكاليف الباهظة لمشاريع تحليتها، هذه النظرة تجعل من مياه البحر عقدة بدلاً من كونها حلا لبعض الحاجات الاقتصادية والمشاريع التنموية.

قبل أيام أطلقت أستراليا مشروعاً زراعياً يعد الأول من نوعه على مستوى العالم، إذ يستغني عن التربة والمياه الجوفية والوقود الأحفوري، ويكتفي بأشعة الشمس ومياه البحر لإنتاج 17 ألف طن من الطماطم سنوياً. وفي ظل الأزمة التي تواجه العالم في الحصول على المياه العذبة وإنتاج الطاقة، فإن المشروع يشكل الوجه الجديد للزراعة المستقبلية، حسب تعبير مجلة New Scientist التي ذكرت أن المشروع استغرق ست سنوات فقط، وهي مدة قياسية بالمقارنة بمشاريعنا، بل حتى بالنسبة لحجم الإنجاز ذاته.

التفاصيل على قدر كبير من الأهمية، لأنها تدفعنا لإدراك إمكانية تطبيق مثل هذا المشروع في المنطقة، بل وابتكار مشاريع أخرى، فطبيعة الصحراء الأسترالية هي نفسها طبيعة صحراء الجزيرة العربية، لذا فإن من المهم معرفة الأساليب العلمية التي لجأ إليها فريق العمل للتغلب على هذه الظروف القاسية، بدلا من الاعتماد على القدرة المالية في الحصول على أدوات مرتفعة التكاليف من أجل تحقيق إنجاز ما.

في التفاصيل، مدّ فريق العمل أنابيب لنقل مياه البحر على طول 2 كلم، محطة في الصحراء لتحلية المياه بالطاقة الشمسية تقوم بإنتاج مياه عذبة بكميات تكفي لري 180 ألف نبتة طماطم زرعت في بيوت محمية، وعالج فريق العمل مشكلة التربة بإيجاد بديل لها، هو قشور ثمرة جوز الهند.

المدهش هو أن هناك مبادرات لتطبيق نموذج المشروع في دول عدة، من بينها قطر والإمارات وسلطنة عمان. وهذا يدل على رغبة هذه الدول من المجلس في وضع حل لمشكلة شح المياه العذبة والعمل على استغلال الطاقة المتجددة في إنتاج محاصيل زراعية.

مشاريع المياه تعتبر من المشاريع المكلفة، فدول المجلس كانت قد خصصت أكثر من 100 مليار دولار أمريكي للاستثمار في هذا القطاع بين عامي 2011 و2016، وأعلنت عن خطط لاستثمار 300 مليار دولار أمريكي أخرى بحلول عام 2022، وهذا من شأنه إرهاق الموازنات الحكومية، خاصة مع انخفاض أسعار الوقود، بينما هناك إمكانية لإيجاد بدائل تساهم في تخفيف العبء.

ينبغي القول أيضاً إن المياه المالحة قد تشكل ثروة كبيرة، حتى دون اللجوء إلى تحليتها، فهناك نباتات مفيدة قادرة على التكيف مع ملوحة مياه البحر، وتمكنها المساهمة في التنمية الاقتصادية، ومن بينها الساليكورنيا «الشمرة البحرية» والسبارتينا «العقربان».

الخلاصة: إن هذا الإنجاز الذي حققته أستراليا يؤكد لنا حقيقتين، هما: إن الحاجة ليست أم الاختراع «كما يقال» فقد بقينا عقودا في حاجة للمياه العذبة دون نتيجة، بل يأتي الاختراع عبر إرادة التغيير والسعي الحثيث والإخلاص في وضع هذه الحاجة على السكة العملية لتوفيرها.

والحقيقة الأخرى هي أننا يجب أن نولي التعليم والبحث العلمي أهمية كبيرة، فنحن نمتلك الكثير من الإمكانات الطبيعية والبشرية التي يمكنها أن تخلق واقعاً أفضل إذا ما وضعنا التعليم في قمة أولوياتنا والبحث العلمي في صلب اهتمامنا، وهذا ما أثبتته تجارب الدول المتقدمة، وهو ما أكد عليه“لي كوان”مؤسس سنغافورة، في كلمته المشهورة: أنا لم أقم بمعجزة إنما أعطيت المعلم مكانته التي يستحقها وهو من أنتج جيلاً قاد نهضة الوطن.