آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

وعود اقتصادية

ناصر موسى الحسين صحيفة الوسيل القطرية

بعض الواعدين بالنمو والرفاه والتقدم لا يمارسون هذه الوعود من باب التنجيم

ينصح علماء التربية الأفراد الذين يتحملون مسؤولية تربوية بالابتعاد عن الوعود المستحيلة، واعتماد الواقعية كقاعدة تربوية تراعي الإمكانات عند إبداء أي موقف أو ممارسة أي تحفيز، أما في الاقتصاد فالحال ينبئ عن اختلال في النظرة إلى هذه القاعدة، فلا أحد ينصح باجتناب الوعود الكبيرة، بل الأنكى أن ينظر إلى هذه الممارسة كأحد الأساليب الذكية لاستقطاب الرضا المجتمعي أو للحماية من السخط.

في الشهور الماضية لاحظنا كثيراً حالات الرصد والمقارنة بين ما تم الإعلان عنه منذ عقود من طموحات اقتصادية متقدمة وبين الواقع.. طموحات تبدأ بتطوير التعليم، وتمرّ بحزمة من البرامج من قبيل: توطين الوظائف، ودعم الإبتكارات، والتقليل من الإعتماد على النفط، وزيادة الإستثمار في القطاع الصناعي، والنهوض بالسياحة، والقضاء على البطالة، وتوفير السكن، وجذب الإستثمارات الأجنبية، وتوطين التقنيات الحديثة، والإنتقال إلى الإقتصاد المعرفي، ولا تنتهي هذه الطموحات والوعود عند إيجاد سوق وعملة خليجية واحدة، وصولاً إلى الوحدة الخليجية الشاملة.

ومن سوء حظ المسؤولين في هذا الزمان أن التقنيات الحديثة سهلت كثيراً القدرة على استدعاء الأحاديث والتصريحات الصحفية والبيانات عبر لمسة خاطفة على شاشة جهاز ذكي، لتضعها على المشرحة، ولتحدد درجة اندفاع بعضهم في التحليق بخيالاتهم وترويجها أو بيعها على الناس البسطاء، ولتكشف مصداقيتهم وقدرتهم على الوفاء بوعودهم.

لا شك أن بعض المواعدين بالنمو والرفاه والتقدم لا يمارسون هذه الوعود من باب التنجيم، فالحديث عن المستقبل والتطلعات يسبقها كلام عن خطط ودراسات، لهذا لا نستطيع الإدعاء بأن كل ما يملأ فضاءنا هي مجرد أكاذيب، فثمة - بالفعل - خطط قد لا تجد طريقها للنجاح، وبالتالي فهي ليست من صنف الوعود الجوفاء، ولكن هذا بدوره لا يمثل كل الصورة، فالجانب الآخر منها يتضمن الكثير من التعمية، والمراهنة على النسيان، خاصة في الماضي، حيث انعدمت وسائل التقنية الفاضحة.

ويبدو أن الأزمة الكبرى التي يمكن أن تنتج عن هذه الممارسات لا تقف عند عدم تحقق الوعود فحسب، بل قد تصل إلى تصدّع أحد أركان العلاقة بين المجتمع والدولة، والذي يتمثل في مبدأ الثقة، وجميعنا يدرك أن الثقة من الصفات التي تحتاج الكثير من الجهد لبنائها، بينما يكفى مجرد تصريح صغير لايتجاوز سطراً ليدمر كل ذاك البناء.

لسنا بحاجة إلى سرد الأمثلة وعمل المقارنة فهي متوفرة على شبكة الإنترنت لمن يشاء، ولكن يهمنا هنا أن نؤكد على ثلاثة أمور:

أولاً: إن الأزمة الإقتصادية تجعل من التماسك ضرورة أكيدة، وفي سبيل ذلك ينبغي تعزيز الثقة عبر اعتماد الشفافية والوضوح في البرامج التي تعتزم الوزارات تقديمها ضمن متطلبات تجاوز الأزمة، بدلاً من أسلوب المفاجآت.

ثانياً: الإسراع المدروس نحو الإقتصاد المستدام، وفي هذا الصدد ينبغي الإهتمام بالموارد البشرية وتأهيلها بما يناسب المرحلة وحاجة سوق العمل الحالي والمستقبلي، والبحث في أشكال الطاقة البديلة المستدامة، والتركيز على الصناعات القائمة على المعرفة.

ثالثاً: ما لم تتبن دول المجلس التعليم كمحور للتنمية وتبذل عليه بسخاء، فإن كل ما تفعله هو ضياع وقت وتبديد للجهد والثروة ليس إلا، فالتاريخ والمنطق يؤكدان أن الجهل لا يقود إلا إلى الضياع والمزيد من الدمار، أو كما يقول ديريك بوك «إذا كنت تعتقد أن التعليم باهظ الثمن، فلتجرّب الجهل».