آخر تحديث: 28 / 7 / 2021م - 11:11 م

الجامعات وسور الواسطة العظيم

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

كلما جلست مع الأهل أو الأصدقاء، ستستمع إلى قصة تروى عن ”واسطة“، تحكي تذمر آلاف الخريجين الذين لم يجدوا فرصا وظيفية، خاصة في الحقل الجامعي

نفتخر نحن السعوديين بأننا من أكثر شعوب العالم تعاطفا مع الآخرين، ومراعاة لمشاعرهم. هذا ما كشفته آخر الدراسات الحديثة التي نشرتها قبل أيام جامعة ”ميتشغان“ الأميركية على موقعها الإلكتروني.

نعم نحن شعب خير، يسارع لمساعدة الضعفاء والمحتاجين، وينهض سريعا للتكاتف عند المصائب، كل هذا جميل ورائع لا يمكن نفيه، إلا أن ما لا يمكن نفيه أن نظمنا الاجتماعية في علاقاتنا تفوح منها - للأسف - رائحة الفساد، لدرجة أننا بتنا لا نشعر بها كمرض يستشري في ثقافتنا.

لدينا قوانين في كل الأجهزة والمؤسسات، ولدينا هيئة لمكافحة الفساد إلا أن هناك ما لا يمكننا مقاومته، وهو المسبب الرئيس للفساد. إنها ”الواسطة“.

في 2015، أظهر استبيان أعدته ”نزاهة“ عن مظاهر الفساد الأكثر انتشارا في المملكة، جاءت ”الواسطة“ متربعة على عرش الصدارة بنسبة 52% ولكن ويا للغرابة، لطالما تحدثنا وكتبنا، نحكي ونشكو ونرغي ونزبد، ولا شيء يتغير. الواسطة ما زالت تسير. لا توقفها شكوى، ولا تعطلها مقالة.

لربما ما لفتني إلى هذا الموضوع اليوم، هو القوائم المسربة في الفترة الأخيرة على مواقع التواصل الاجتماعي وبعض الصحف المحلية، عن توظيف الأقارب في الجامعات الحكومية، بل وكلما جلست مع الأهل أو الأصدقاء، كل له قصة يرويها، عن ”واسطة“ سمع بها أو قصة شاهدها بأم عينيه، وهي تحكي تذمر آلاف الخريجين الذين لم يجدوا فرصا وظيفية، خاصة في الحقل الجامعي، فكل ما عليك فعله أن تذهب لمؤشر البحث من خلال اسم العائلة أو القبيلة، وتكتب الاسم الرباعي، وستكتشف بكل سهولة صلات القرابة.

والأمر الذي يدعو إلى الغرابة كذلك، هو أن مجتمعاتنا المتدينة تتحدث عن الحلال والحرام في كل شيء إلا الواسطة، حتى إذا سألت أحدهم: ألا تخشى الله الذي به تؤمن؟ ستجده يقول لك بكل برود: وما علاقة ذلك؟

تجده يتفلسف في كل الأمور الدينية، وأما وساطتك في أن تأخذ حق غيرك أو تمنعه ما يستحقه، ووقفتك البدائية والجاهلة مع من هم من بني عشيرتك، ولو كان على حساب آخرين أحق منه بالوظيفة؛ فهذه لا يقيم لها وزنا، ولا ينظر إليها.

السؤال: هل الحل يبدأ من التعليم؟ في نظري أن الأمر أخطر بكثير من مجرد الاعتقاد بأننا إن طوّرنا التعليم، فستنتهي مشاكلنا، فالمشكلة أكثر تعقيدا.

ما أود قوله بكل وضوح: إننا لو وجّهنا كل جهود الدولة نحو توفير أرقى مستويات التعليم العام أو التعليم العالي على كافة المستويات، وجلبنا أفضل المعلمين، وأتينا بأرقى المناهج العلمية، ووفرنا بيئة تعليمية مميزة، كل هذا لن يغيّر من الواقع شيئا، فهذه المدارس وهؤلاء المدرسون وهذه المناهج لن تقوم بمهامها في بيئة منفصلة عن المجتمع!، وإلا كيف يمكن لنا أن نحصل على خريج جامعي، كطبيب أو مهندس أو طيار أو معلم..، وهو على ثقة بأنه بغير ”واسطة“، لن يجد الوظيفة التي يستحقها؟!

نحن بحاجة أولا إلى قانون يمنع التمييز بين المواطنين بسبب العرق، اللون، الدين أو المذهب، عند تقدمهم للعمل، وثانيا إلزام كل أجهزة الدولة بوضع إستراتيجيات إدارية وتشريعية وثقافية تحارب الفساد وعلى رأسه ”الواسطة“.

هذا ما فعلته ”هونغ كونج“ عندما كان الفساد ضاربا فيها، وفي خلال سنوات معدودة تراجعت معدلاته بشكل ملحوظ.