آخر تحديث: 22 / 9 / 2021م - 10:38 م

في تجليات مفهوم التعليم الحواري

ابراهيم الزاكي

إن حقيقة وجود الإنسان في هذه الحياة، تتجلى في أنه كائن تاريخي يعيش مرحلة الصيرورة الدائمة مع توالي الأيام والسنين وتقدم الزمن، سعيا إلى الكمال الإنساني، الذي لن يتحقق إلا من خلال العمل الدائم والدءوب، والمكابدة المستمرة، من أجل تغيير الواقع المعاش وتطويره، وعدم القبول والرضا بما هو كائن، مهما كان مستوى التقدم والرقي الذي وصل إليه في لحظته التاريخية.

يقول باولو فرايري في كتاب تعليم المقهورين، إن اعتراف الإنسان بحقيقة عدم كماله، يدعوه لأن يتخذ التعليم وسيلة من أجل تطوير نفسه، فالتعليم ما هو إلا عملية إعادة صنع، من أجل تحويل الإنسان من كونه مجرد شيء، وكائن جامد، إلى إنسان حي، يعيش حالة الصيرورة الدائمة، حيث يؤكد باولو أن نظام التعليم ذو النهج الحواري، لا يعترف بالحاضر المشرق، ولا بالمستقبل المحدد سلفا، وإنما يشغل نفسه بعملية ديناميكية تضرب بجذورها في الحاضر، وتتجه نحو المستقبل بثورية، حيث يتسم هذا المنهج بالثورية والنبوءة المفعمة بالأمل، حين يعترف بحقيقة الوجود الإنساني المتسامي، والمتجه دوما إلى الأمام، والذي يعتبر الجمود تهديداً له بالفناء. فالنظام التعليمي ذو النهج الحواري يعتبر النظر إلى الماضي مجرد وسيلة يتفهم بها كيف ومن يبني عالم المستقبل بحكمة، لأن الحقيقة التاريخية للإنسان المتسامي والمتجه دوماً إلى الأمام ترفض الجمود، والقبول بالوضع الحاضر، وتعتبره تهديداً للإنسان بالفناء.

يسعى التعليم البنكي، كما يشير باولو إلى القبول بما هو قائم من أوضاع، وكأنه قدر إنساني لا يمكن الفكاك منه، بينما الأسلوب والمنهج الحواري يطرح هذه المشكلات باعتبارها قضية تستوجب الحل، وقابلة للبحث والنقاش والتغيير والتطور نحو تحقيق إنسانية الإنسان. والذين يصرون على إيقاف عجلة التقدم والتطور، من خلال إصرارهم على نهائية الوضع القائم، وحتمية الرضوخ له، هم في الحقيقة يمارسون الخداع والتزييف للحقائق، ويستهدفون صرف الناس عن التفكير بأوضاعهم، وطرق الخلاص من سلبياتها، واتخاذ القرارات المناسبة لتطويرها.

إن السعي إلى تحقيق إنسانية الإنسان في هذه الحياة الممتدة، وتجسيد كل القيم الرفيعة على أرض الواقع، هو أمر تاريخي ويحتاج إلى زمن، وما على الإنسان/المعلم/المصلح/المثقف، أياً كان المسمى، إلا تحمُّل تبعات هذا الامتداد الزمني وأثقاله، فهو قدر الإنسان ذو النزعة الانسانية. إلا أن ما يجب التأكيد عليه هنا، هو أن تحقيق هذه القيم الإنسانية، وتجسيدها على أرض الواقع، لا يمكن أن يكون عملا فردياً، يتم في عزلة عن مشاركة الآخرين، وإنما هو عمل لا بد له أن يتم في إطار من الزمالة والتلاحم مع الآخرين، كما يؤكد على ذلك باولو فرايري.

العلاقة الحوارية التي يتحدث عنها باولو في كتاب تعليم المقهورين، وتأكيده على النهج الحواري بين المعلم والطالب في العملية التعليمية، لا ينبغي لها أن تنحصر داخل أسوار المدرسة، أو تقتصر على العملية التعليمية فقط، بل من المهم أن تتوسع هذه العلاقة الحوارية إلى ما بعد أسوار المدرسة، ليكون هذا النهج الحواري هو نهج وأسلوب حياة لكل الناس، بعيداً عن نزعة الاستئثار والتسلط والهيمنة، وخصوصا لهؤلاء الذين هم في موقع السلطة، ويفترض بهم أن يكونوا قادة التغيير، سواء كان هؤلاء في البيت، أو المدرسة، أو الجامعة، أو المسجد، أو أي موقع آخر.

وعندما ينزع هؤلاء المُعوّل عليهم قيادة التغيير إلى الاستفراد بالرأي، والتقرير نيابة عن المجموع، فإن ذلك دليل على وجود نزعة تسلطية، أو بقايا من شوائب سلوك القاهرين، كما يشير باولو فرايري في كتاب تعليم المقهورين، فالعمل الجاد من أجل التغيير، يجب أن يأخذ طابعاً حوارياً انتقادياً بين الشركاء، سواء على مستوى النخبة المسؤولة، أو على مستوى القاعدة، أو فيما بينهما، حيث على الجميع أن يعي أنهم يعملون من أجل هدف وعمل تاريخي يحقق لهم جميعا إنسانيتهم.

ينبه باولو إلى أن أي محاولة لتحرير المقهورين من واقعهم السلبي، وتحقيق إنسانيتهم، من دون أن يشاركوا فيه ويتفاعلوا معه، لن يكون عملا مجدياً، فالشعارات والبيانات من دون خوض عمليات الحوار النقدي للواقع الاجتماعي بين الشركاء، لن يكون إلا عملا فوقياً، يتعامل مع المقهورين وكأنهم مجرد أشياء، يمكن نقلها من موقع إلى آخر. إلا ان الثقة في قدرة المقهورين على استخدام عقولهم، هو ما يُسهِّل عملية الاتصال والحوار معهم، فالعمل إلى جانب المقهورين يجب أن يتصف بالمشاركة القائمة على الثقة.

لا يفوت باولو التذكير بأهمية أن يدرك المقهورين بأنهم يحملون هدفاً سامياً، يتمثل في تحقيق إنسانيتهم، وهو ما يتطلب أن يكون الإنسان فيهم نشِطاً ومسئولاً وصاحب إرادة غير مسلوبة، وأن لا يكون عبداً مسلوب الإرادة، بل عليه تكريس كل حياته، وأثناء مراحل عمله، من أجل تحقيق هذا العمل التاريخي، الذي لن يتحقق بين يوم وليلة. وهو الأمر الذي يتطلب من المقهور أن يكون حاملاً لرؤية واضحة، وأن يعمل على ضوء هذه الرؤية، حيث من الضروري تبصير المقهورين بطبيعة أدوارهم حتى تكون تصرفاتهم في عملية التغيير أكثر جودة وكفاءة، لأن هناك علاقة بين المسؤولية والأهداف المنتظرة، ولن يكون هناك إنجاز إنساني ما لم تكن أهدافه واضحة.

اتكالية المقهورين على قادتهم من أجل تغيير أوضاعهم يعد نقطة ضعف، فالعمل من أجل التغيير لا يعترف بهذا اللون من الخنوع، إذ لا بد من إزالة هذا الضعف عن طريق العمل والوعي، ليصبح كل فرد من المقهورين يملك إرادته الحرة ليكون شريكاً في عملية التغيير، وليس مجرد تابع، أو مجرد شيء من الاشياء. وعندما يبدأ المقهور الإحساس بذاته، يبدأ في نزع صورة القاهر من داخله، ليمارس العمل من أجل تحقيق حريته، لذلك لا ينبغي أن ينتهي النضال عند حدود العقل وحده، إذ لا بد أن يصاحب الاكتشاف العقلي، عمل فعال يتجاوز حدود الحماس.

إن النهج القهري في العلاقة بين الناس، لا يسمح للمتعلم أو للطالب أو للابن بالتساؤل، أما في ظل الحالة الحوارية، القائمة على منهج طرح المشكلات على مائدة البحث والحوار والتفكير، فباستطاعة الإنسان أن يتساءل ويقول ما يفكر فيه، ومن واجب المعلم/المثقف/المصلح الذي يعتبر نفسه مناضلاً من أجل تحقيق إنسانية الإنسان، أن يكون المثال والقدوة في إتباع النهج الحواري، وتجسيده عملياً في سلوكه وممارساته، وأن يدعو الناس إلى إتباع النهج الحواري والتمسك به، وأن لا يحرم الآخرين حقوقهم الإنسانية في التعبير عن أنفسهم.