آخر تحديث: 23 / 9 / 2021م - 8:42 ص

حمى الشوق المقدس

بدر شبيب الشبيب *

عندما تستعر حمى الشوق بأهل الشوق لا يقر لهم قرار، فقلوبهم متعلقة بالحبيب، متطلعة إلى لقائه، تستسهل في سبيل ذلك الصعب المستصعب.

يتحدث الإمام علي عن يقينه الصادق وشوقه المستعر للقاء الله، وما يُحدِثه ذلك عنده من استعداد لمقاتلة الأعداء الذين يصدون عن سبيل مفردا لوحده دون أن يبالي بعددهم وعدتهم، أو يصاب بوحشة الوحدة، فيقول: «إني والله لو لقيتهم فردا وهم ملأ الأرض ما باليت ولا استوحشت. وإني من ضلالتهم التي هم فيها، والهدى الذي نحن عليه، لعلى ثقة وبينة ويقين وبصيرة. وإني إلى لقاء ربي لمشتاق ولحسن ثوابه لمنتظر. ولكن أسفا يعتريني، وحزنا يخامرني، من أن يلي أمر هذه الأمة سفهاؤها وفجارها فيتخذوا مال الله دولا، وعباد الله خولا، والفاسقين حزبا. وأيم الله لولا ذلك لما أكثرت تأنيبكم وتحريضكم، ولتركتكم إذا ونيتم وأبيتم حتى ألقاهم بنفسي متى حُم لي لقاءهم فو الله إني لعلى الحق وإني للشهادة لمحب».

تلك إذن حمى الشوق المقدس الذي يعبر عنه الإمام علي بأنه «شيمة الموقنين» و«خلصان العارفين»؛ أي إنه عند مَن بلغوا مرتبة اليقين يكون طبعا من طباعهم، مندكا في حركاتهم وسكناتهم، «َ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِياماً وَقُعُوداً وَعَلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْض»، وهو عند العارفين كاشف عن مرتبة الخلوص لله تعالى.

ولذا صار الشوق مطلبا وحاجة تستحق السعي المشفوع بالدعاء. وكم هو جميل ما ورد عن الإمام علي بن الحسين في دعاء له يطلب من ربه المزيد من الحب والشوق، حيث يقول: « اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِه، وفَرِّغْ قَلْبِي لِمَحَبَّتِكَ، واشْغَلْه بِذِكْرِكَ، وانْعَشْه بِخَوْفِكَ وبِالْوَجَلِ مِنْكَ، وقَوِّه بِالرَّغْبَةِ إِلَيْكَ، وأَمِلْه إِلَى طَاعَتِكَ، وأَجْرِ بِه فِي أَحَبِّ السُّبُلِ إِلَيْكَ، وذَلِّلْه بِالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَكَ أَيَّامَ حَيَاتِي كُلِّهَا. واجْعَلْ تَقْوَاكَ مِنَ الدُّنْيَا زَادِي، وإِلَى رَحْمَتِكَ رِحْلَتِي، وفِي مَرْضَاتِكَ مَدْخَلِي، واجْعَلْ فِي جَنَّتِكَ مَثْوَايَ، وهَبْ لِي قُوَّةً أَحْتَمِلُ بِهَا جَمِيعَ مَرْضَاتِكَ، واجْعَلْ فِرَارِي إِلَيْكَ، ورَغْبَتِي فِيمَا عِنْدَكَ، وأَلْبِسْ قَلْبِيَ الْوَحْشَةَ مِنْ شِرَارِ خَلْقِكَ، وهَبْ لِيَ الأُنْسَ بِكَ وبِأَوْلِيَائِكَ وأَهْلِ طَاعَتِكَ. ولَا تَجْعَلْ لِفَاجِرٍ ولَا كَافِرٍ عَلَيَّ مِنَّةً، ولَا لَه عِنْدِي يَداً، ولَا بِي إِلَيْهِمْ حَاجَةً، بَلِ اجْعَلْ سُكُونَ قَلْبِي وأُنْسَ نَفْسِي واسْتِغْنَائِي وكِفَايَتِي بِكَ وبِخِيَارِ خَلْقِكَ. اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وآلِه، واجْعَلْنِي لَهُمْ قَرِيناً، واجْعَلْنِي لَهُمْ نَصِيراً، وامْنُنْ عَلَيَّ بِشَوْقٍ إِلَيْكَ، وبِالْعَمَلِ لَكَ بِمَا تُحِبُّ وتَرْضَى».

وفي دعاء آخر يقول: وأذقني طعم الفراغ لما تحب بسعة من سعتك، والاجتهاد فيما يزلف لديك وعندك، وأتحفني بتحفة من تحفاتك، واجعل تجارتي رابحة، وكرتي غير خاسرة، وأخفني مقامك، وشوقني لقاءك.

وكما إن الشوق مطلب، فالتشويق مطلب أيضا. هذا أبو بصير يطلب من الإمام الصادق تشويقه قائلا: جعلت فداك، يا بن رسول الله شوقني. فيجيب الإمام طلبه قائلا في كلام تشويقي طويل، نختار منه هذا المقطع: يا أبا محمد إن من أدنى نعيم الجنة يوجد ريحها من مسيرة ألف عام من مسافة الدنيا وان أدنى أهل الجنة منزلا لو نزل به أهل الثقلين الجن والإنس لوسعهم طعاما وشرابا ولا ينقص مما عنده شيء.

نسأل الله تعالى أن يمن علينا جميعا بشوق إلى لقائه ورضوانه، وأن يفرغ قلوبنا لمحبته.

دمتم بحب.. جمعة مباركة.. أحبكم جميعا..