آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

الشعائر الحسينية.. إلى أين؟

نرجس الجمعان

منذُ كنت طفلةً رأيت الحسين مناراً إلى ضوئه أنتمي، ووجدته ملاذاً بأسواره أحتمي، وعرفتُه وإلى الآن لم أفطمِ...

بذلك الشجن القديم والمفردات والأطوار التي تتسلل للقلوب كان آباؤنا وأجدادنا يُحيون ذكريات أهل البيت وأيام عاشوراء الحسين ، ولم يكن ثمة غاية سوى خلق أجواء للتأسي والاقتداء، والتعريف بأبطال ملحمة الطف، متخذين في سبيل ذلك الهدف السامي أكثر المعايير وقاراً وملائمة للقربى ممن اصطفاهم الله وجعلهم سادات على الأوليين والآخريين.

واليوم نجد في المجتمعات المحبة والموالية لأهل البيت ابتعادا في بعض مظاهر الإحياء عن ذلك العهد الذي عرف بالوقار، وبدأنا نشهد مظاهر تدل على جانب من الاستخفاف، فنرى البعض يقدم وتداول بضاعة مزجاة، فيها ما يمثل إنحسارا عن القيم التي نادى بها الإمام الحسين ، وليس هناك رادع بالمستوى الذي يقف أمام تنامي هذه الظواهر. فالبعض جعل من العزاء الحسيني وسيلة لتقديم ما لا يتناسب وعظمة القضية الحسينية. فقد جعل هؤلاء العزاء أشبه ما يكون بالأغاني مستخدمين فيه ذات الأدوات الموسيقية والإيقاعات الصاخبة والحركات الاستعراضية التي تستخدم في الملاهي والفارق الوحيد هو الكلمات والمفردات، فكأنما هؤلاء وجدوا في العزاء الحسيني وسيلة لترويج بضاعتهم المزجاة، وباسم الحسين .

إن هذا المنحى خطير للغاية وهو يؤذي الأئمة ، يقول الإمام الصادق : «لجهلة شيعتنا أشدُ علينا من أعدائنا».

من جانب آخر لماذا غالبا نسمع عن حادثة كربلاء من صفحتها المؤلمة؟ لماذا لا يدرس الحسين إلا بكونه مظلوماً مضطهداً بين الجناة؟ لماذا لماذا لا توجه الأنظار إلا لمصيبة السيدة زينب ؟

في حين أننا لو تأملنا كربلاء لوجدناها مليئة بالصور المشرقة، ولوجدنا في الحسين دروسا للإنسانية، وفي عقيلة بني هاشم السيدة زينب دروسا للصبر والثبات وعدم الإنكسار أمام الأعداء.

فلماذا لا نقدم لأجيالنا تلك الصفحة المشرقة التي شرفتها ساحة كربلاء؟ ولماذا لا نأخذ من الحسين ما يضيء عقولنا وفكرنا؟ لماذا لا نتخذ من الحسين منهجا لتنمية الحب في قلوبن، وطرد الحقد من أعماقنا؟ ولماذا لا نستلهم من الحسين وإيمانه وصبره نورا يضيئ لنا ظلمة الليالي الحالكة، لنعلن للعالم أجمع أننا قد استثمرنا واقعة الطف بصورتها المشرقة قبل المؤلمة.

نعم إن البكاء على الإمام الحسين من أجلى صور التأسي والحزن على مصابه الجلل، إلا أن هذا البكاء ينبغي أن يكون من أجل غسل أرواحنا لتعود طاهرة نقية، كما ينبغي أن يكون معه توجه لرسالة الوعي التي ضحى من أجلها سيد الشهداء أبو عبد الله الحسين .

ففي كربلاء وفي اليوم العاشر من محرم سنة إحدى وستين للهجرة وقف الحسين ونادى «ألا من ناصر ينصرني»، واليوم نحن ننادي: «يا ليتنا كنا معكم»، فهل حقا نحن نستحق ذلك الوسام، وهل إحياؤنا لعاشوراء الحسين يؤهلنا لأن نكون من انصار الإمام، أم أن ما يقوم به بعض الشيعة لا يتناسب ونصرة الحسين الشهيد المظلوم.

إن بعض صور الإحياء لدى البعض أشبه ما تكون بالخرافة، وبعضها يمكن تحويلها لبرنامج آخر في عاشوراء يكون أكثر فائدة وتأثيرا على المستوى الإنساني، بأن تكون عاشوراء موسما للتبرع بالدم فيكون فيه نجاة لحياة آخرين، لا أن تكون عاشوراء موسما لاستنزاف الدم دون تحقيق الغاية التي ينشدها هؤلاء.

وأخيرا علينا أن نجعل من عاشوراء موسما لإحياء ثورة الإمام الحسين بما تحمل من يقظة للوعي، وإحياء للقيم الإنسانية، وتشييدا لمعالم الدين، وهكذا فقط نكون قد حققنا ما ننادي به كل يوم في عاشوراء «يا ليتنا كنا معكم».