آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

لماذا أصبحنا مجتمعاً غرائزياً رغم كل المحاذير الأخلاقية؟!

نضال البيابي

حين نتفحص سلوك أطفالنا نجد أن معظم سلوكاتهم لا تختلف اختلافاً بيناً عن «عقلاء» وشيوخ المجتمع، فثمة انفصال حاد يتشكل فيما يبدو منذ الطفولة بين العنصر «الإيماني» والعنصر الاجتماعي الواقعي، أي أن هناك افتراقاً واضحاً بين المبدأ والواقع.

نلاحظ مثلاً الافتراق عينه عند ذلك الشيخ الذي يبدو متأثراً غاية التأثر، مختنقاً بشهقاته وانفعالاته أثناء استماعه لموعظة دينية حماسية، ومع ذلك يبدو أن هذه الموعظة التي هزت كيانه، فقدت زخمها تماماً عند مغادرته المسجد.

فعلى أرض الواقع الحي يمارس لا شعوريا دورين متضادين، أحدهما دور التقي الذي يرتعد من خشية الله ويبكي حرقة حين يتذكر «آثامه» في المسجد، والآخر دور البراغماتي المنصاع لمتطلبات الواقع بصرف النظر عن المحاذير الأخلاقية.

هذا التمزق بين دورين قد يتشكل فعلياً منذ سنوات الطفولة الأولى، بل هو الموجه الفعلي لتصورات الفرد وسلوكه، وكأن ثمة خللاً بنيوياً في النسيج الاجتماعي قد جعل من الصعوبة على المرء أن يتماثل مع «إيمانه». والسؤال هنا: لماذا لم يعد للأفكار التي أثبتت فيما مضى صلاحيتها في بناء مجتمع منسجم فكراً وسلوكاً، أقول لماذا لم يعد لها اليوم نفس الدوي في النفوس؟!

حسب التحليل الفرويدي، أن النظم الأخلاقية تتولى إخضاع الغرائز لعملية تكييف، أي «كبتها» وتنظيمها في علاقة وظيفية مع مقتضيات النظم الأخلاقية، وبالطبع ليس من شأن هذه العملية القضاء على الغرائز، إنما تنظيمها بما يخدم أفراد المجتمع من خلال الخضوع لقواعد تأخذ شكل القانون العام. ويمكن فعلياً أن يساهم هذا القانون الأخلاقي في تنظيم حياة الأفراد بما يخدم المجتمع ككل، لا سيما حين يحدث التوازن بين مقتضيات الغريزة المفطور عليها الفرد وبين المقتضيات الروحية والاقتصادية والاجتماعية. وفي السياق ذاته يميز يونج بين جانبين في الفرد، القناع وما وراء القناع، وما وراء القناع هو الظل، والظل يقصد به الجانب المتجه نحو الطبيعة والغريزة، في حين يتجه «القناع» ناحية المجتمع. ووظيفة الحالة الاجتماعية «القناع» تنظيم وإشباع مجال الغرائز، وذلك عبر عملية تكييف هذه الطاقات من أجل تحويلها إلى طاقة قابلة للاستخدام اجتماعياً، أي توجيهها - ضمن عملية التنحية والانتقاء - بما يخدم تقدم ورقي النوع. ولكن قد يتصدّع هذا النظام حينما تتفاقم قوى الكبت سواء فيما يتعلق بالمستوى السياسي أو الاجتماعي. عندئذ يحدث التمزق في الفرد بين الإنسان السماوي، والإنسان الأرضي، بين المسجد والشارع، بين تعسف النظرية وقسوة الواقع..!

بعبارة أخرى، كلما اتسعت دائرة القمع/ الكبت، كلما أمكننا أن نلاحظ انخفاضاً في مستوى الحس الأخلاقي للمجتمع، إذ لا قيمة للفعالية الأخلاقية في داخل المرء ما دامت غير منسجمة مع متطلبات الواقع، ولهذا قد تستعيد الغريزة - التي بولغ في كبحها تحت مسوغات شتى - سيطرتها على أفراد المجتمع، فبدل أن يصبح المجتمع «مجتمعاً أخلاقيا سوياً» يتحول إلى مجتمع غرائزي بامتياز على المستويين التخيلي والسلوكي، ويمكن أن نأخذ هنا تصوراتنا وسلوكياتنا الجنسية نموذجاً معبراً أفصح تعبير عن الآفات السيكولوجية التي يعانيها المجتمع، المجتمع «الذي يخاف أن يرى جسده في المرآة.. حتى لا يشتهيه» حسب تعبير نزار، المجتمع الذي يندر فيه إمكانية إقامة علاقات جنسية ممتعة وآمنة، خالية من الإكراه والتمييز والعنف، المجتمع الذي يخلو حتى الآن من قانون واضح المعالم يحمي الحقوق الجنسية لجميع الأفراد.

لقد أصبح من الواضح الآن - على الأقل من الوجهة السيكولوجية، أن الفكر الديني السائد في مجتمعنا ينطوي على اختلالات وانحطاطات لا تنتج إلاّ وعياً مبتوراً أو فعلاً بتّاراً.

ودليل ذلك، أن هذا الفكر من حيث لا يدري عمل على استنبات الشبق الجنسي في الجسد الاجتماعي، من خلال الحثّ المكثف على الحديث عن العلاقات الجنسية الشرعية وغير الشرعية، والمتع الحسية سواء أكانت دنيوية أو أخروية، وجعله سارياً في فكرنا وتصوراتنا وخطاباتنا ورغباتنا، حتى المبتذل منها، فمرة تُقزم العلمية الجنسية باعتبارها مصدر البلوى والخطيئة كالعلاقات «غير الشرعية»، ومن جانب آخر تُوضع الرغبة الجنسية في حالة استنفار، الرغبة في امتلاك الجنس واكتشاف مغاليقه وأسراره، بل التوحد به تماماً، كما يحدث ذلك عند الحديث عن «الحور العين»، في مجتمع يكاد يمارس الجنس كما يمارس الفضيلة «تجريدياً»!

لقد أصبح الحديث الجنسي بعد أن تم الإصغاء إليه بعناية فائقة موزعاً في الجسد الاجتماعي، بل مزروعاً في عمق كل خطاب سواء كان مباشراً أو غير مباشر، وعليه غدت جلّ الأشياء - حتى التي ليس لها صلة موضوعية بالجنس، مصدراً للتهيّج الجنسي..!

قل لي ما مفهومك للجنسانية، أخبرك من أنت.. فمفهومنا للجنسانية يخبرنا دائما عن حقيقتنا، أليس كذلك؟!