آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

مُجتمعٌ يُفكّر في البواليع

السيد ناصر الصاخن *

تبكي في لياليك التي أعتمتها البديهيّات الغائبة، تصاريف صحية وبواليع وروائح بحار كريهة، وشوارع وُجدت لكي يحفرها ويدفنها المقاولون، قضايا تشغل بال مجتمع يسعى أكاديميّوه لتجاوز كل ضروريات الحياة على هذه الأرض، تتصوّر للحظة أن حدود تفكير مجتمعنا تأثّرت بكل هذه القضايا رغماً عنها، وهذا اللوم لا يصلهم وإنما يصل للأكاديميين الذين صاروا في نهاية الحكاية لهم يدٌ فيها، يعتذرون للناس كثيراً حينما يخالطوهم.

ولاشك في أن البيئة جزءٌ مُهم من التقدم العلمي والحضاري لأي أمّة، وكلما تطوّرت البيئة واحترمت الإنسان الذي فوقها شعر حينها الإنسان بفضلٍ عليه منها، فتحرّك وتمرّد على المعتاد بحثاً عن إنتاج يقدّمه لاسمه ولاسم بلده. وحينما يغيب هذا الدّعم يسأم وربما يلعن الأرض بمن عليها، فتتحوّل النظرة حينئذ لسوداوية قاتمة لا تفكّر بـ «نصف الكأس الآخر»، ذلك المثل الذي ملّ منه السامعون. ولأنني كغيري من الشباب يُصاب بداء التأتأة حينما يسأله الأجانب عن الحياة في بلدنا، هل كلّها مُختزلة في نقاب امرأة مكبّلة بالسواد؟ أم امرأة لا تشّم مقود السيارة كلّ صباح؟ أم أن صباحاتكم هي حلْب نياق البادية؟ أم أن بلدتكم السعودية هذه تقع في دبي؟

إننا وبصراحة نعوّل كثيراً على الشباب وعلى حديثي الدراسة الجامعية، كونهم أكثر فئة بالمجتمع مليئة بالحيوية والنشاط، نحثّهم على التطوع والابداع والتحرّر من أفكار المجتمع القديمة الملوثة، بينما نهمل هذه البيئة التي يعيشون عليها كيف مهّدها الكُبار كأرضية مستوية لهم وللأجيال من بعدهم. ألم نهمل هذا الطالب أو الطالبة الذي يشمّ روائح البواليع على باب المدرسة كل صباح؟ ألم نتأخر في وضع خطة لخروج الطالب من المدرسة كي لا تدهسه شاحنة أو سيارة عابرة؟ أو كي لا يموت محترقاً داخل المدرسة؟ ألا نحسّ بنقص في دعم فوتوغرافي مؤسساتي للشباب؟ ألم نفتقد السينما والمسرح والمركز الذي يضم الأدباء الكبار والناشئين ويأتي بهم على طاولة واحدة بعد اختفاءهم وراء ظل شبكة الانترنت؟

كل أمثال هذه الأسئلة تدور في مُخيّلة الشباب منذ تخرّجهم إلى ابتعاثهم بالخارج، إلى رجوعهم وانغلاق المجتمع مجدداً كما كان ويكون، وشعورهم بعدم الاندماج هنا. وقد طرح عُمر حسين في حلقته الأخيرة من «على الطاير» سؤال عن سبب لجوء الناس للكوميديا، هل هو خروج عن الواقع؟ أنا أعتقد أنه ليس خروج عن الواقع بقدر ما هو تحوير له وإلقاؤه بطريقة أكثر هضماً وسلاسة من نشرات الأخبار المُملة، وفي كلا الحالتين فإن الأهم ألا ينسى الناس قضاياهم إما أن تكون بطريقة كوميدية أو بطريقة تقليدية. أو بالعكس فإن الكوميديا تكون قريبة للناس من بسطاء ومختصين، فتحثّهم على الاهتمام بهمومهم والنظر إليها جيّداً.

إن الشباب لا يطلبون عرش بلقيس ولا خاتم سليمان لتحقيق مثل هذه الضروريات البديهية على أرض المجتمع، وإن على عاتق كل شخصية واجهة للبلد «تخرج في المحافل والتلفزيون كثيراً» حق على مجتمعه المكون من أخوان وأقارب وأصدقاء ونظراء، فهم يلاحظون فجوة شاسعة لما يحدث بمجتمعات الخارج ومجتمعاتهم. وفي الوقت الذي يأمل المجتمع بالشباب بأن تكون نفوسهم عالية الطموح نقول كما قال الشاعر: إذا كانت النفوس كباراً * تعبتْ في مُرادها الأجسام. لكن هذه المرة سيتعب المجتمع لو كبرتْ أحلام الشباب ونفوسهم.

سيهات