آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 9:25 ص

الحوار وآفاق الحرية

محمد المحفوظ *

لا نعدو الصواب حين القول، أن السبب الرئيسي في بوار العديد من مشروعات التنمية، وانهيار عالم السياسة الحضارية، يرجع بالدرجة الأولى إلى غياب الحرية وخضوع الوجودات العربية والإسلامية إلى تبعيات متعاظمة في الاقتصاد والثقافة.

فالاستعباد والخضوع الأعمى لقوى السيطرة، هو الذي يحول دون الحيوية والفاعلية والانطلاق في رحاب مشروعات التنمية الشاملة.

لذلك فإن تثبيت قواعد الحرية في المحيط المجتمعي، لا يتأتى إلا بتأسيس علاقات ووقائع تكسر حواجز الأثرة ونوازع الأنا الضيقة وممارسات الشطب والإلغاء والنفي والتكفير والتشريد، وتؤسس لحسن الاستماع وقبول الآخر، واحترام وجوده وفكره وقناعاته.

قال تعالى ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب.

وقال تعالى ﴿قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون

فالكلمة السواء لا تنجز إلا بعقل حواري يثري مضمون الحرية على المستوى الإنساني والحضاري.

فلا حرية حقيقية بلا حوار بين الأفكار والثقافات والوجودات السياسية والثقافية والحضارية. وذلك لأن سبيل تعميم قيم الحرية هو الحوار، وبدونه تبقى الحرية شعارا يرفع، دون أن تكون وقائع الراهن تجسيدا لها ولمثلها العليا.

وتجربة الحوار بين الأفكار والوجودات، هي التي تثري سؤال الحرية في الفكر والواقع، وهي التي تعطي لمضمون الحرية أبعادا تاريخية وآفاقا مستقبلية مشرعة لإبداعات الإنسان ومبادراته في سبيل تجذير مفهوم وتجربة الحرية في الواقع الإسلامي المعاصر.

فالحوار ليس من أجل إلغاء الخصم أو ثنيه عن أفكاره وقناعاته، وإنما من أجل الحرية وأفقها الإنساني والحضاري. والحرية لا تعني بأي شكل من الأشكال تجميد الاختلافات الفكرية والسياسية، وإنما تنظيمها وجعلها تسير في تجاه توافقي بنائي. ويخطأ من يتعامل مع الحرية باعتبارها وسيلة تجميد الخلافات الفكرية والسياسية.

إن الحرية والديمقراطية هي وسيلة الإنسان المتحضر في تعامله مع الاختلافات الفكرية والسياسية. فهي توفر آليات لتنظيم هذه الاختلافات، وتشيع أخلاقيات وآداب عامة، توجه التباينات الفكرية والسياسية نحو البناء والتجديد والعمران.

ولأن الحوار سبيل الحرية ومن أجلها، لذلك ينبغي أن تتركز قيمة الحوار على مفاهيم مجتمعية وسياسية تثري مضمون الحرية، وتحفز القاعدة الاجتماعية على تبني خيار الحرية والديمقراطية على مستوى الأقوال والأفعال، وعلى مستوى المعتقد والسلوك، وذلك من أجل خلق مجتمع الإرادة والاختيار.

فحجر الأساس في الحرية، أنها لا تنجز إلا على أساس قوانين الحوار والاختيار لدى الفرد والجماعة. والحرية وفق هذا المنظور، هي مفتاح التقدم، وطريق تعبئة الطاقات والإمكانات ومشاركتها جميعا في البناء والعمران. ”وكان الحوار وسيلة نشر الدعوة، لم تكن هناك وسيلة أخرى غير الحوار والإقناع، لأن الفتوحات لم تستمر أكثر من مئة عام، ولم يتعد تأثيرها إنشاء سلطة سياسية للعرب المسلمين. على كل حال، إن معظم الجماعات الإسلامية غير العربية، انضمت إلى الإسلام بعد توقف الفتوحات. أما على صعيد وحدة الأمة، فقد كان الحوار قاعدة ضرورية للحفاظ على هذه الوحدة التي استمرت حتى بعد انهيار سلطة الخلافة المركزية وتعدد الدول السلطانية الحاكمة. أدى الحوار الداخلي بين المسلمين إلى انقسامهم إلى مذاهب ومدارس فكرية. تعددت الأساليب المعتمدة لاستنباط أفكار جديدة واكتشاف حلول للمشاكل المطروحة. وتعددت العلوم التي استخدمت من أجل تحقيق مستويات أعلى من المعرفة ولم يكن لديهم خوف من الخلافات المذهبية داخل صفوفهم، فكأنهم كانوا يدركون أن الحرية في الحوار والنقاش والتسامح إزاء آراء الآخرين وإزاء الخلافات وتعدد الاجتهادات هي الوسائل التي تضمن وحدة الأمة“.

والحوار الذي لا يستند على قاعدة الحرية، فإنه حوار الطرشان وبعيدا عن المعنى الحقيقي للحوار، الذي يسمح للمتحاورين من الانفتاح على كل الآراء والبوح بكل القناعات والمواقف بدون خوف ووجل. ف " الحوار يرتكز على الحرية الفكرية في الساحة الحوارية، لأن الإنسان الذي لا يمتلك حريته في طرح ما يريد من سؤال أو اعتراض أو مناقشة، لا يستطيع الوصول إلى الحق إذا لم يجد الفرصة للإجابة على سؤاله، ومناقشة وجهة نظره. ولذلك فإن الإسلام يتقبل أي سؤال في أي موضوع، ولكنه يضع شرطا مهما، وهو أن يكون المحاور مثقفا بالفكرة التي يخوض الحوار حولها من موقع الموقف المضاد، أو منفتحا على آفاق المعرفة فيما يريد أن يسأل عنه، وهذا هو مضمون الآية الكريمة: ﴿ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم.

والمحيط الذي يحارب الحوار، هو محيط مستبد وقمعي، حتى لو رفع راية الحرية. لأنه لا يمكننا أن نتصور حرية بلا حوار. فهو قرين الحرية، ووسيلتها في تعميم القيم ونشر القناعات والمبادئ. و”عملية الحوار تتنافر بطبيعتها مع الإجابات الجامدة، والمسلمات المتحجرة، والأنساق المطلقة، وهيراركية العارفين، وكهنوت الآباء المقدسين، فإن هذه العملية تنفي نقائضها التي تكبح حركتها، وتقاوم ما يحد من قدرتها بما تؤسسه من وعي ضدي، يرفض صفات الإطلاق والتسليم والتقليد، الخنوع والإذعان، وكل ألوان التسلط والإرهاب“.

وفي المقابل نستطيع القول أنه ”بقدر غياب الحرية في المجتمع يغيب الحوار، وتسود لغة الصوت الواحد التي هي المقدمة الطبيعية للغة الإرهاب. وإذا كان الإرهاب إلغاء لوجود الآخر، ونفيا لحضور العقل، أو فعل اختيار المعرفة، فإنه يبدأ من حيث ينقطع الحوار، ومن حيث تشيع مخدرات التسليم والتصديق، ومسكنات الإذعان والاستسلام، ومبررات بطريركية الفكر أو مطريكية الثقافة. إن الإرهاب يتولد من رفض لغة الحوار وشروطه، أي تسلطية الصوت الواحد، من الإيمان بأن ما تقوله وحدك هو الحق، وإن الحق ملك خاص لك، ومن التسليم بأن فردا ما، فكرا ما، زعيما ما، يمتلك ما يجعل منه الأعلى ويهبط بالآخرين إلى الدرك الأدنى، كأننا إزاء مجلى النبي الملهم، أو الصورة البشرية للحقيقة الكلية“.

كاتب وباحث سعودي «سيهات».