آخر تحديث: 16 / 5 / 2021م - 8:47 ص

ثنيان يتكئ على «تحرير العبيد» ليدين جذور الطبقية في القطيف

زكريا العباد

في قصة «سوابيط مظلمة» للقاص موسى ثنيان تمتد صفحات القصة لتنيف على الأربعين ويمتد الزمن بتقنية الاسترجاع والتذكر وإن كانت أحداث القصة وذكرياتها تجري خلال أسابيع أو شهور ثم تقفز إلى سنة بعودة الربيع الذي اتخذه السارد مرتكزا جماليا وزمنيا تتكاثف فيه معظم أحداث القصة حيث يحتفي النص بالأرض ونخيلها ويطرز جوانبها بأنواع الزهور ثم يكمل لوحته بربط الأرض بالسماء من خلال أنواع من الطيور تحلق في فضاء القصة مشاركة أبطالها أحلامهم في الانطلاق للحرية.

القصة هي أقرب إلى رواية جميلة السرد ومحبوكة الحلقات متعددة الشخصيات، المكان يتخذ من الريف قاعدة انطلاق له، ويطل إطلالات خاطفة على المدينة، البحرين بما ترمز له من امتداد ثقافي واجتماعي واقتصادي للقطيف، وبدرجة أكبر تحضر مدينة القطيف وخصوصا «القلعة» بما ترمز له من أهمية في موضوع الفوارق الطبقية في المجتمع، ومن هنا تأتي أهمية هذه القصة حيث أنها توظف قضية تحرر العبيد لتشير من طرف خفي إلى قضية الفوارق الطبقية التي تعود إلى مرحلة شبه إقطاعية لا تزال تلقي بظلالها على هذا المجتمع ولا تقتصر على هذه الشريحة التي تحررت حينها من العبودية بل تتعداها إلى شرائح أخرى في البين.

يحتل الريف مساحة واسعة من السرد في القصة وكذلك من الفضاء الاجتماعي للقطيف، وكأن السارد يحاول أن يوازن بين قوة «القلعة» التي تعود إليها ملكية هذه المزارع وبين هذه المساحة الجماليه الواسعة والمتنوعة التي يحضر فيها القروي كإنسان منحاز للجمال والطبيعة، يفهم تفاصيلها وأسرارها ويقدر عاليا جمالياتها ويصارع لكي تبقى الطبيعة حرة ومتوازنة.

وقد برز هذا في إطلاق البطل للطائر النادر «العقعق» الذي تمكن من اصطياده ولكن بعد فوات الأوان، بعد أن تزوجت محبوبته وابنة سيده من رجل آخر من نفس طبقتها، وكانت قد طلبت من البطل «خادمهم الذي كان عبدا فتم تحريره بقرار من الملك فيصل» اصطياد هذا الطائر لتستمتع بجماله فيما دأب البطل على تحرير الطيور التي تقع عفوا في فخاخه مراقبا باستمتاع لحظات انطلاقها وعودتها للحرية.

صحيح أن وقوع هذا الطائر النادر في فخ البطل جاء متأخرا جدا ما أفقده إمكانية الاستفادة النفعية منه حين يقدمه قربانا لمحبوبته، ولكن هذا التأخر في الحدث لم يعكر علينا كقراء فهم رمزيته الواضحة، حيث تأتي الانعطافة ولحظة التنوير مع التغير في تفكير البطل في خاتمة القصة، إذ ينحاز البطل في صراعه الداخلي بين الحرية والحب للتحرر من نير الطبقية التي تعني أن تسخر الطبيعة التي هي نزّاعة في أصلها إلى المساواة بين الكائنات وخلق حالة من التوازن بين أفرادها، وكأن القصة تحكي حال هؤلاء البشر المُسَخَّرِين الذين يعملون في المزارع بمحبة وانسجام مع الطبيعة من أجل خدمة مصالح شريحة أعلى من المجتمع، حيث تتمثل الانعطافة في تحول زاوية نظر البطل إلى هذا الطائر النادر، فبعد أن كان ينظر إليه كثمن يكتسب من خلاله الاعتراف بإنسانيته، أصبح هذا الطائر فردا/ أخاً في مجتمع الكائنات والطبيعة، وكأن البطل يرفض أن يحصل على اعتراف طبقة أعلى من خلال التضحية بحرية فرد يراه المجتمع من طبقة أدنى، إن البطل في خاتمة القصة يعلن رفضه الانصياع والمشاركة في هذه الثقافة الطبقية ليقول: لقد خُلقنا متساوين في هذه الطبيعة، ويجب أن نبقى كذلك.