آخر تحديث: 11 / 5 / 2021م - 3:52 ص

ليلةٌ بألفِ شهر

جهاد هاشم الهاشم

نعم. هي ليلةُ القدر وقدرُها وعظمتها عند الخالق - تبارك و تعالى - تساوي ألف شهرٍ من الطاعات والعبادات، ومصداقا لذلك قوله - جل وعلا -: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. سورة القدر الآية «3».

فهي ليلةٌ مباركةٌ، يُفرق فيها كل أمرٍ حكيم، ومنها أيضًا أنها أفضل من ألف شهر؛ أي أن العمل والاجتهاد والتعبد فيها خير من العمل والاجتهاد في ألف شهر مما سواها! وهذا فضل عظيم وكرم من قِبل الله - تبارك وتعالى - تجاه عبادِه الضعفاء المساكين المحتاجين لرحمته جل في علاه.

فلو أمعنّا النظر قليلا وهيّئنا لأنفسنا وأطلقنا العنان لفكرنا ولو بمقدار بسيط؛ لوجدنا أننا وبكل ماتعنيه الكلمة من معنى؛ ظالمين لذواتنا بالانجرار وبشكلٍ يفرض نفسه على كثير من تفاهات الحياة التي نعيشها، والتي هي زائلة بلا شك، ومن تلك الأمور التي نسارع لها بكل حماسة وعزم؛ البحث عن تلك العروض التجارية بجميع أنواعها وأصنافها، مثل: شراء ملابس العيد وغيرها، بل ونُعطي ذلك الأمر أهميةً قصوى، ناهيك عن كثرة ارتياد الأسواق في تلك اليالي العظيمة، وأقصد هنا ليالي شهر رمضان المبارك. فالبعض يُولي «ذلك الأمر» ويعطيه من الأهمية الشيء الكثير؛ بل بات الكثير من الناس يقضي ساعات طوال وهو يجول ويصول في المجمعات التجارية؛ بحثا عن حاجيات لاتتعدى كونها مستلزمات ثانوية، ليست بالضرورية على الإطلاق. بل والأكثر من ذلك نرى البعض من أخواتنا المؤمنات يستقطعن من وقتهن في تلك اليالي المقدسة والعظيمة وهن يتجولن متسوقات من سوق لآخر؛ في سبيل الحصول على بعض الخصومات المادية التي لاتتجاوز بضع ريالات لاتُسمن ولاتغني من جوع.

وهذا ليس منكرا أو مكروها بطبيعة الحال! فكلنا نحتاج لضروريات الحياة. فالتسوق بحد ذاته لاضير فيه؛ ولكن ماقصدنا الإشارة له هنا أننا نسمع ونشاهد أهلنا وكل من حولنا من الأحبة والأصدقاء وهم في حالة استنفار للاستعداد ليوم العيد. ويتجلى ذلك في البحث ومتابعة المعارض التي تنشر أخبارها فيما يخص العروض التجارية، وتخفيضٍ للأسعار. وبهذا يهدر البعض الكثير من الوقت في سبيل الحصول على بعض المقتنياتِ بأرخص وأقل الأسعار، وإن حصل ذلك يعتبر بمعتقد الشخص أنه أنجز من الأعمال المهمة الشيء الكثير! بينما هو في واقع الحال لايساوي أي قيمة تُذكر، ولايعني لزوم بيوتنا وعدم الخروج منها وعدم التزود بما يلزم من حاجيات ملحة لشخوصنا. فليس للمبالغة والمغالاة لهذا الحوار بمكان؛ ولكن - فقط - ما نحتاجه هو إدارة وقتنا بما يتناسب وحقوق أنفسنا. هذه ناحية، والناحية الأخرى حقوق خالقنا سبحانه وتعالى علينا.

إذا ماهو الربح الحقيقي والمكسب الأبدي الذي يجب علينا البحث عنه؟ نعم هو العرض الإلهي والعرض الرباني، العرض الذي من خلاله يصعد المرءُ بعظيم أعماله إلى كسب رضا الخالق جل جلاله. عرض مجاني لايكلفك من المال شيئًا. ورأس مالك فيه هو نيتك الخالصة، ومناجاتك الصادقة، وحسن نيتك تجاه نفسك وذويك، وكل من حولك. وهاهي تلك الليلة العظيمة وفي هذا الشهر المقدس وهي تقترب من موعدها تأتي ومعها بشائر رحمة الله، تأتي لتزيل بوافر عطاياها وبركاتها. تلك الذنوب الجِسام التي خلفناها وراء ظهورنا ونحن مثقلون بمعاصينا العظام! ولامناص لنا من محوها إلا بالاعتراف لخالقنا بظلمنا لأنفسنا من خلال تجاوزنا حدودَ أوامره - جلت قدرته -، وأصبحنا غارقين في بحر ذنوبنا، ومنشغلين باتباع أهوائنا، غافلين أنّ أعمارنا فانية، وأيامنا مُنصرمة، ومعاصينا متراكمة.

وليس للموت من فكرنا نصيبٌ! لذلك كأننا نسمع أجراس تلك الليلة بشأنها العظيم وهي تنادي أين التوابون! أين الخائفون! أين المذبنون! أين المتوسلون! أين الراجون! فأبواب السماء قد شرعت والرحمات الربانية قد نزلت وتدنت واقتربت لمن أراد استثمارها كما ينبغي، وكأن صوتها يدوّي بين السماء والأرض بحي على الفلاح، حي على خير العمل. لذا علينا تذكير بعضنا بما تحويه أعظم ليلة من ليالي الله - سبحانه وتعالى - وأن الشقي من حُرم فضلها وعطاياها. ولايكفي ماننسج من السطور لحصر ثوابها، وكرم مِننها علينا. فثوابها لايحصى وبركاتها لاحد لها.

فنسأل العلي القدير أن يوفقنا وإياكم لإحيائها، وأن ننعم جميعا بفضلها. كما نسأله تعالى أن يعيننا على كسب ثوابها، ويوفقنا لنيل مرضاته. اللهم لاتحرمنا لذة عبادتك. اللهم أعفُ عنا وعافنا يا أرحم الراحمين. وصلِّ اللهم على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين.