آخر تحديث: 1 / 8 / 2021م - 12:58 ص

أنتِ كواهب الماء إلى البحر

نازك الخنيزي

الأمومة هي الرابطة التي تصل الأم بأبنائها، وهي أقوى الروابط الإنسانية على الإطلاق أسماها وأقدسها تحمل الكتلة الكبرى من معاني الحب والحنان لا تعترف بالحدود ولا الحرمان لا تُمل بل تزداد سمو وارتقاء، فـــ الأم معنى وإحساس وليس جسد..

هي إنشودة الحياة وعشقها السرمدي الذي يتسلل إلى هضبة الليل على أنغام الضياء، ويبقى مداد الأم هو الأمل المعتق الذي ينتظر الشمس وإذناً بإشراق عظيم لا غروب له عند حواف الزمن..

فيأتي نيسان مهللاً بعطر الربيع وثلوج الشتاء في يوم يؤكد عشق الأمهات ولا يلغيه لمن تسكن بين العينين شعاعا ليس بعده ضياع..

الكثير من الشواهد تؤكد على منزلة الأم في الإسلام، كفى أن الجنة تحت أقدامها ورضاها بعد رضا الله والإحسان لها بعد عبادة الخالق،، وقضى ربك أن لا تعبدوا وبالوالدين إحسانا،،

هي بريق سماء الحياة وإعجاز من الله للذات الإنسانية، هي من تتقدس فيها أجمل معاني السمو وأعظم هبات الحياة شمعة يزداد بها الكون بريقاً وتوهجاً.. هي أغلى كواكب الكون وأعظم منارات الحب، إنها بهجة الفصول ونوارة الدنيا بمتاهاتها المتشعبة، هي البوصلة ودليل المسير..

كل مافي الطبيعة يرمز وينطق بـــ الأمومة إبتداءً بالشمس فهي أم الأرض ترضعها الدفء وتحتضنها بالنور …لا تتوارى في المساء إلا بعد أن يطمئن قلبها على أبنائها بتنويمهم على أنغام الموج الهادئ وترنيم الطيور.. هي دواوين الشعر وكلمات النثر، هي أبجدية الزمن وهمس السكون … هي أم الشجر والزهر، تلد وترضع وتفطم هي الحياة في مسيرتها، هي الروح الأزلية الممتلئة بالحب والجمال..

كلمة أم يطبق عليها القلب عضلاته ويضمها كما تضم الأرض النواة.. من بين الشفاة تنبثق في ساعات الحزن والفرح وتتصاعد كـــ العطر من بتلات الورد..

هي الجندي المجهول على البسيطة ذات العاطفة الحانية..

نـحمل أسمائنا طوال العمر ولكن المعنى السامي يبقى رمزاً لإسم الأم والمثل الأعلى الذي يغلف الخطوات ويزرع الحب في القلب، ينشئ إسطولاً وسط الأمواج المتلاطمة ووسط الألم ينبت الأمل في مسيرة الحياة المشرعة أبوابها يحذوها نبع الحنان والحب وقلب ملؤه الإيمان والصوت الذي يسقي الروح والريحان وجرعات الأمان التي نرتشف منها الحكمة.. ونتصفح تاريخ العمر..

حين أبدأ بالكتابة بشيء عن الأم أجد نفسي وذاتي تنطق بسيل لا يكف من الحروف والعبارات التي لا تنضب وتأبى أن تدعن للصمت بين السطور..

أجد أدمعي مدراراً تسقي الحرف بالنبض فيبتل الورق وتبقى حروفي بذات الخجل تأبى أن تنسى أن بين أناملي دواة وأبجديات الياسمين فتبدأ حيرتي وتمتد معاناتي في فصول الإعترافات التي تبرز نقاط ضعفي في الذات التائهة في ذاتي التي يرتعش لها مني الكيان..

ويبقى هناك شيئاً متفرداً في ذاكرة العمر سلاحه الأقوى ورصيده الأكبر هو الدم الذي يجري في أوردتي ويتغلغل في ثنايا الروح،، علمتني دروس الحياة ولكل درس قصة من صبر كــ عقد حباته من لآلئ البحر تحيطها هالات منقوشة بحكمة على جدار الزمن مطرزة بعناية وصبر، تبقى متلألأة كحبات المطر تعزف لحن الزهو..

الأم هي الوطن في أبهى حلله وأقدس معانيه في جوفها نخلق من العدم إلى الوجود ومن عالم الغيب إلى الواقع بطنها هو أقدس الأوطان وأروع حقب التاريخ هو مكان بعث الوجود ونطق الحياة، أما الوطن فالحياة فيه من الطفولة إلى الكهولة والدفن في ترابه، بطنها هو الزمان والمكان الذي تنطلق منه الحياة، إذا ماتت إنتهى الزمان والمكان وانتزعت المعاني من الأشياء فتساوت الأمور في الدنيا.. لأن الأم هي الأمان للروح من عصف الرياح وأفضل العطاء وأكمل الإحتواء وباعث نسائم الأمل بالبهجة والحياة …

أماه..

أيتها السنبلة الخالدة والنخلة السامقة..

دعيني أحلم مع الحالمين لأرى نوركِ الباسم بإشراقة نفسك، وأحلق في السماء بروعة إقبالكِ وحسك، دعيني أقبل السجادة والصحيفة التي تبكي فقدك.. وأقبل التراب الذي يحوي رفاتك..

قلبي يريد الفرار إليك لتردي إليه لهفته وضياعه، أريدكِ حضناً وحقيقة فـــ كيف لي بالصبر على قسوة الحياة..!!

يــانبع الحنان الذي يأسرني قبل بريق عينيكِ والعطاء الذي يبهرني فأعيش محلقة في سماء محملة بالوفاء … فــأرنو إلى يدكِ الحانية المبلسمة للأوجاع المضيئة لظلمات الطريق.. حنيني لكِ يفوق لهفة الأنفاس للقاء النبض … لازلت أحلم دون عناء بأمنيات أسير بمحاذاتها بإسم الشوق الذي أصبح مقاوماً عنيداً للقدر صامداً أمام المكتوب..

في عيد الأم أختصر الكلمات جميعها لأقول لك:

إنني لازلت أسمع نبضك وألتحف بأنفاسك فيتوارى ظلامي في نوركِ الذي أجده في إشراقة كل شمس لأنكِ طاقة آمال للحالمين ورحيق باسم للناظرين..

لجميع الأمهات أسرق من بين نبضي أصدق المعاني رغم إدراكي مساحة المشاعر المبسوطة لأقف شاخصة أمام كل أم لأن شعورها يلامس مني الوجدان فأبعث عبير حبي مع رحيق الريحان وعبق الورد ونسيم على أهداب زهر الليمون …

بكن يا أمهات تسري الحياة في الأوصال وتنبض الروح بالفرح وتضاء الأركان بالآمال.. كل الآمال نستقيها من قلب الأم..