آخر تحديث: 30 / 7 / 2021م - 8:10 م

الخطيبة أم رمزي سيرة إيمان ومسيرة عطاء

محمد الشيوخ *

في صبيحة يوم الاثنين 26 شوال عام 1442 الموافق 7 يونيو 2021 م فقدت جزيرة تاروت الخطيبة الحسينية مريم عبد الله علي الرويعي، وهي واحدة من أروع وأنبل السيدات المؤمنات التي عرفتهن عن قرب ومنذ نعومة أظافري، ويشاطرني في هذا التوصيف كل من عرفها وعايشها رحمها الله تعالى وأسكنها فسيح جناته.

الفقيدة السعيدة الحاجة أم رمزي، التي آلم رحيلها كل من عرفها، ووري جثمانها الثرى في مقبرة تاروت عن عمر ناهز 75 عاما، هي حرم الحاج محمد عيسى الزاير، وأم لثلاث بنات من خيرة سيدات المجتمع وكلهن طبيبات وهن: تغريد وياسمين وزينب، وهي كذلك أم لثمانية أبناء من خيرة رجالات المجتمع، معظمهم مهندسين في مجالات عدة وهم: رمزي، رائد، أحمد، وجدي، حسين، علي، عيسى، عايد. كما انها شقيقة لثلاثة من أبرز رجال الأعمال الكرماء الخيرين في جزيرة تاروت وهم: المعلم عبد الرؤوف والمهندسين عبد اللطيف وعبد العظيم، أما شقيقات المرحومة الكريمات فهن: زهراء، والمرحومة فاطمة، هنية وصبيحة، علما بأن المرحومة أم رمزي هي أكبر اخوانها وأخواتها الذين كانوا يعتبرونها أُما لهم بعد وفاة والدتهم «أم عبد الرؤوف» رحمها الله.

كان ثاني أكبر أبناء الراحلة الصديق العزيز المهندس رائد الزاير «أبو حسين» بمثابة الأخ وكنا معا طوال مرحلتي الطفولة والشباب، نجول ونصول هنا وهناك مع بعض الأصدقاء، ووفق أعراف الصداقة العميقة كنا ندخل بيوت بعضنا ونعرف تفاصيل حياتنا الأسرية. ومنذ ذلك الوقت تعرفت على بعض سجايا المرحومة والدة الاخ رائد الحاجة أم رمزي رحمها الله، وكنت أعتبرها بمثابة والدتي حفظها الله، حيث كانت - والدتي - تقضي معها أغلب أوقاتها وكنّ بمثابة الأخوات، وكنت أراهنّ معا وبشكل دائم، منذ الصغر إلى حين وفاتها، سواء في المنزل أو على الهاتف أو في مشوار قاصدات زيارة مريضة أو مشاركات في مجلس حسيني كمستمعات أو قارئات أو متوجهات إلى مناسبة اجتماعية هنا ودينية هناك. وهكذا بالمثل كانت تربطني علاقة وطيدة مع شقيقها الأخ العزيز المهندس عبد اللطيف «أبو عبد الله» حيث كنا نعمل سويا في دائرة واحدة لسنوات طويلة، ولا يختلف الحال كثيرا بالنسبة لقرب العلاقة مع معظم أشقاء وأبناء الفقيدة السعيدة.

وبحكم هذه العلاقة القريبة مع معظم أفراد عائلتي الرويعي والزاير الكرام، ومعرفتي المباشرة بالمرحومة أم رمزي عن قرب ومدى علاقة الوالدة معها، أستطيع القول أننا خسرنا سيدة من أنبل سيدات جزيرة تاروت وأكثرهن طيبة وخلقا وايمانا وورعا وكرما وتواضعا ونشاطا وحيوية.

ويحضرني الآن آخر لقاء لي بالمرحومة، وقد كان في منزل الوالد، وتحديدا في المجلس الحسيني الذي أعدته الوالدة للقراءة وكانت الراحلة هي خطيبة دائمة فيه، كان ذلك اللقاء قبل أسبوع تقريبا من وفاتها، وكالعادة بمجرد أن سألت الوالدة عن السيدة التي تجلس معها في المجلس لأسلم عليها، كانت تبادرني المرحومة وتسبقني بالتحايا والسلام بمجرد سماع صوتي وبذات النفس والروحية والحفاوة التي عهدتها منها قبل نحو 40 عاما وأكثر.

وقطعا ليس أنا الوحيد الذي تعاملني بهذه المعاملة المليئة بالتقدير والاهتمام والحفاوة، وانما كان هذا دأبها مع جميع معارفها، لا فرق في ذلك بين كبير أو صغير وبمعزل عن رابطة النسب ودائرة القرب، فالجميع في حسن المعاملة والاهتمام لديها سواء. وهذه لعمري واحدة من أبرز سجاياها التي نسجت من خلالها شبكة واسعة من العلاقات المتينة والمحبة الصادقة لعامة الناس ضمن دوائرهم المختلفة.

وقد لاحظ الكثيرون، أيام الفاتحة، خصوصا قريباتها ورفيقات دربها، العدد الهائل من معارفها الذين قدمن للتعزية، وبحسب نقل الوالدة، ان بعض معارف الراحلة كن يأتين للتعزية وهن غير قادرات على المشي بسبب المرض أو نحو ذلك رغم التقيد بالاحترازات الصحية، لكنهن كن يشعرن بأن هذا هو أقل الواجب نحو الراحلة التي كانت تتعنى لزيارتهن خصوصا المسنات والمريضات منهن في كل فرصة تتاح لها، بل كانت طوال حياتها تحرّض معارفها وأخواتها على التواصل الاجتماعي وصلة الأرحام وزيارة المرضى وكبار السن.

وفيما يتعلق بسجايا الفقيدة أم رمزي، فهي - في الحقيقة - عديدة وأكثر من أن يستطيع كاتب هذه السطور أن يحصرها في مقالة قصيرة كهذه، لهذا سأكتفي هنا بتعداد بعض سجاياها الأكثر وضوحا في عناوين أظنها بحاجة لاحقا لمزيد من التفصيل، وأعتقد أن كل من له علاقة بها يحتفظ في ذاكرته بعشرات الشواهد والقصص التي تندرج تحت تلكم العناوين وغيرها من العناوين اللامعة والمهمة التي أعجز عن استحضارها.

فمضافا الى كونها خطيبة حسينية شديدة التعلق بأهل البيت ولا تكاد تفوت مجلسا حسينيا في الحي التي تسكن فيه سواء كقارئة أو مستمعة، كانت كذلك تتمتع بالحيوية والنشاط والفاعلية في ممارسة أنشطتها اليومية، كما إنها كانت تخدم الآخرين بدون حدود، وتتمتع أيضا بروح ودودة وببشاشة متفردة، كما انها دائما ما تكون متفائلة بالخير، بل كنت تنمح الآخرين طاقة ايجابية نحو التطلع الى الأحسن ولحياة أفضل بمعزل عن قساوة الظروف.

وكانت الفقيدة تتمتع بإيمان لافت ومميز غير مقتصر على التمسك بالواجبات، وإنما كانت متمسكة بشكل كبير بالمستحبات كصلاة الليل وتلاوة القرآن والمداومة على الأدعية المأثورة وزيارة أهل البيت . وقد نقلت لي احدى رفيقاتها الموجودات معها في ”قروب“ نسائي خاص بتبادل الأدعية، أنها وقبل يومين من وفاتها كانت تطالب من خلال ذات القروب بتزويدها ببعض الأدعية الخاصة قبيل صلاة الفجر، ليكون لديها متسعا من الوقت لسماعها بعد صلاة الليل وقبيل صلاة الفجر.

وفي المجال التربوي قدمت الراحلة مثلا رائعا في تربية الأبناء والعناية بهم، ويكفيها فخرا على هذا الصعيد أنّ معظم أولادها كفاءات علمية وجميعهم من خيرة أبناء المجتمع إن على مستوى الأخلاق والأدب والوعي أو على مستوى خدمة المجتمع كلا بحسب موقعه ومكانته.

فلولا الاهتمام الكبير بتربية أبنائها وتعليميهم منذ نعومة أظافرهم على حب العلم والالتزام بمكارم الأخلاق والقيم الدينية لما رأينا هذه النماذج الطيبة. أتذكر جيدا حينما كنا صغارا كانت تحدد لأبنائها أوقاتا محددة للترفيه واللعب وباقي الوقت - عدا وقت النوم - تلزمهم بالمذاكرة، وفي حال أراد أحد أصدقاء أبنائها أن يصطحب أحد أبنائها في الوقت المخصص للمذاكرة، كانت تنصحه بالاهتمام بالعلم والمذاكرة، بأسلوب في غاية الأدب واللباقة والاحترام والحنّية، والطرف المقابل يعي الرسالة جيدا.

وعلاوة على الجهد الذي بذلته الراحلة في المجال التربوي للأبناء، فقد ترجمت مستوىً راقيا من الحنان والحب حيالهم تجسّد ذلك من خلال خدمة جميع أولادها وبناتها بكل ما أوتيت من قوة ولآخر نفس من حياتها. كما امتازت أيضا بحسن الادارة والتدبير والقيادة، ولطالما سمعت من الوالدة تتحدث بإسهاب عن خصلة القيادة للراحلة في بعض الأعمال الخيرية، قائلة: إنها كانت تحث أخواتها وتقودهم في الكثير من الزيارات الاجتماعية واللقاءات العائلية وصلة الرحم، وكانت تقول لهم دائما: إن في مثل هذه الأعمال ثوابا كبيرا، كشكل من أشكال التحفيز والتحريض على الخير. وبحسب الوالدة، فإن جميع أخواتها ورفيقات دربها يشعرن اليوم بمدى الفراغ الذي سببه رحيلها على هذا الصعيد، بل ان بعضهن - مثل الوالدة - بتن يشعرن بصعوبة في استمرار التواصل الاجتماعي بالشكل الذي اعتدن عليه في ظل وجود وقيادة الراحلة أم رمزي.

وفيما يتعلق بالبعد الأخلاقي كانت المرحومة بشوشة وودودة ومسالمة وصاحبة بسمة مميزة وفي غاية الأخلاق والطيبة مع الجميع. والذي يتحلى بمثل هذه الصفات بالعادة ينذر ان تكون له خصومات أو نزاعات أو عداوات مع الآخرين، بل ينعم برصيد واسع من العلاقات المتينة، وهذا ما عُرف عن الراحلة طوال حياتها إلى حين وفاتها رحمها الله، وتجسد ذلك في كثافة المعزين والمعزيات الذين قدموا للتعزية طوال أيام الفاتحة من مختلف مناطق محافظة القطيف كتعبير عن الحب والعلاقة الصادقة. علاوة على ذلك كانت تتمتع الراحلة بذاكرة مميزة وصحة طيبة جدا ومحافظة على صحتها الجسدية والنفسية والروحية عبر برنامج التغذية الصحية ورياضة المشي وكثرة الحركة والخدمة الاجتماعية والبرنامج العبادي، بل انها كانت نموذجا ومثلا للكثير من السيدات في هذه المجالات.

في الحقيقة لازال جميع من عرفها غير مستوعب لرحيلها - حتى اللحظة -، لولا الايمان بالقدر والتسليم به، ولعل باعث عدم استيعاب هذه الصدمة الكبيرة أمران: الأول مقدار الحب الكبير الذي يكنه الجميع لها، نظرا لما تتمتع به من سجايا رائعة، وثانيهما ما كانت تمتاز به الفقيدة الخطيبة المؤمنة مريم الرويعي من حيوية ونشاط لافت في مختلف انشطتها الحياتية سواء على الصعيد الشخصي الأسري أو الاجتماعي أو الديني.

لاشك أن رحيلها أوجع، وربما فاجأ، الكثير من الناس، وليس رفيقات دربها كالوالدة وغيرها فحسب، وإنما سبب صدمة لكل من عرفها وعايشها وخبر نشاطها وحركتها الدؤوبة في أنشطتها اليومية المتنوعة، وأنا واحد من اؤلئك النفر الذين آلمني فراقها وأحزنني كثيرا، وأجد نفسي مدينا لها في رد بعض الجميل التي تستحقه، ولو بمقدار محاولة متواضعة في تخليد جزء يسير من ذكراها العطرة، عبر هذه السطور المتواضعة، التي لا تفي حقها، وأزعم أنها لا تمثل إلا جزء يسير من صفاتها الكثيرة التي يعرفها الكثير ممن عاشرها، مؤملا أن تبقى هذه السمات حاضرة على الدوام في ذاكرة معارفها ورفيقات دربها وكل من له صلة بها، لأنها سمات تستحق التخليد لما لها من أثر ايجابي كبير على النفوس، ولعمري أن هذا أقل الواجب حيال هذه المرأة الفاضلة التي أفنت جلّ عمرها ساعية في الخير والصلاح ونشر الفضيلة والحب والسلام والتربية الصالحة، دونما استنقاص بغيرها ممن يستحققن التخليد والتبجيل في حياتهن وليس بعد وفاتهن فحسب.

رحمك الله يا أم رمزي رحمة الأبرار وحشرك مع الصديقين والصالحين وألهم ذويك الصبر والسلوان، لقد كنت حقا سيرة ايمان متميزة ومسيرة عطاء نموذجية تستحق سجاياك النبيلة الخلود والتخليد.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 3
1
زكريا ابو سرير
[ تاروت ]: 17 / 6 / 2021م - 11:56 ص
رحم الله الفقيدة السعيدة الحاجة المؤمنة ام رمزي، و نسأل الله أن يسكنها فسيح جناته الواسعة و يحشرها مع اسيادها الأطهار صلوات الله عليهم أجمعين، والفاتحة المباركة على روحها الطاهرة، وهذا ما حصل بالفعل حين أن وقع نبأ خبر وفاة المرحومة الفاضلة خادمة العترة الطاهرة ام رمزي على ابناء المجتمع وكأنه كالصاعقة، حيث خيم الحزن والألم على الجميع ، وهذا بسبب ما تفضلتم به من مزايا و سمات كانت المرحومة تتمتع بها في حياتها المشرفة والكريمة، وما تناولته يدكم الكريمة عن بعض من جوانب المرحومة له في الحقيقة واقعا لامسه غالب من عرفها وقترب منها، وقد نقلت لي أحدى اخواتي والحزن يملؤها والدموع تفيض من عينيها وهي جارة قريبة للمرحومة كم هي كانت أم رمزي تتمتع به من صفات وسمات ومزايا إنسانية قل نظيرها، قولنا الإيماني هو تفويض أمرنا لله، وإنا الله وإنا إليه راجعون
2
لميعه الشيوخ
[ القطيف - السعوديه ]: 17 / 6 / 2021م - 2:30 م
الحمدالله رب العالمين على عطاءاته كلها
مجتمعنا الكبير هذا وفدت فيه كثير من الشخصيات التي اعطت المجتمع بخدمات انسانيه لاحصر لها خدمات تعبق عذرا من الانسانيه في خدماتها مثل هذه المرأة لم اعرفها لكني سمعت عنها الكثيرمن محيط تاروت ، الله يرحمها برحمته الواسعه ويجعلها في ظل مغفرته ، عطاءات هالشخصيات ليس بعلم والبحث من الاخرين هم خلقوا لهذه الخدمات هناك الكثير مثل ام علي حمدون مرت العم التي افنت عمرها في تعليم القران لاجيال متعددة لقد تعلمنا منهم كثيرا فلهم بصمه ليست بالسهله وانما تمتد لاعمار الاجيال انسانيا ومن اكون اه هالبسمه ان بنسى من ذاكرة الانسان والزمان
3
فاضل أحمد عبدالحميد العوض
[ الأحساء_الهفوف ]: 17 / 6 / 2021م - 3:21 م
اللهم صل على محمد وآل محمد و تغمد الفقيدة السعيدة المرحومة الخطيبة الحسينية الحاجة أم رمزي بواسع رحمتك و مغفرتك و رضوانك و اغفر لها و إيانا و اغفر لنا و إياها و ارحمها و إيانا و ارحمنا و إياها فقد وفدت على رب كريم ودود غفور رحيم. أسأل الله العلي العظيم أن يحشرها مع الزهراء و أبيها و بعلها و بنيها و أن يرزقها شفاعتهم صلوات ربي وسلامه عليهم.

ماذا عساي أن أقول فلقد أجاد الكاتب في تأبيينه لهذه المؤمنة و أدخل على قلوبنا السرور بهذه السيرة العطرة و يكفيها فخرا ما أنجبت من أولاد وبنات و أثرت به مجتمعها بما غرسته فيهم من حب للعلم و للتفوق في ميادين العمل ليكونوا خير خلف لخير سلف.
باحث في علم الاجتماع السياسي