آخر تحديث: 22 / 1 / 2022م - 2:43 م

طالبان ومدارس التشدد

علي جعفر الشريمي * صحيفة الوطن

الجماعات المتشددة من طالبان مرورًا بالقاعدة وداعش وحتى الإخوان المسلمين، استطاعت أن تفكك لنا كل طلاسم التنظيمات الإرهابية، وأسقطت وهمًا كبيرًا لطالما ردده الكثير من الكتاب والإعلاميين، وروجته بعض المنابر الدينية من أن الإرهابيين أناس جهلاء غير متعلمين، هذه التنظيمات استطاعت باقتدار أن تنسف هذا الوهم ليؤكدوا لنا أن الإرهابيين ليسوا جهلة، ففيهم من يحمل أعلى الشهادات العلمية، وعندهم الخبراء والمنظرون، فضلا عن المهندسين والأطباء والمتخصصين في الحاسوب وغيره، وعندهم مشايخهم الذين يستشهدون بالنصوص الدينية في تبرير عدوانهم ويحاججون بها خصومهم.

نحن اليوم مع السيناريو نفسه، هذه المرة بحلة طالبانية، ولن يكون حتمًا السيناريو الأخير في مسلسل إقامة خلافة تهيمن على كل مسلمي العالم، قاعدتهم الأصيلة التي ينطلقون منها هي: «من مات دون أن يبايع فقد مات موتة جاهلية»، والبيعة لا تكون إلا للخليفة.

هذه الجماعات الإرهابية بكل نسخها الكربونية تضع أهمية كبرى على التعليم العام، لما تمثله المرحلة من سهولة في السيطرة على العقول، وتشكيل الفكر، وتكوين كوادر تكون قادرة على تنفيذ ما يطلب منها دون سؤال.

من رحم هذه المؤسسات التعليمية تخرجت التنظيمات الإرهابية المسلحة طالبان مثلا ناصبت العداء لدولتها إذ تنظر لها بأنها دولة علمانية متعاونة مع العدو الأمريكي، وقامت بمئات العمليات الاستشهادية كما يسمونها، وكانت بنزير بوتو إحدى ضحايا هذه العمليات الانتحارية، ويستمر السيناريو ذاته في أفغانستان بإقامة دولة دينية بأيدولوجية متشددة تهدد فيه الشعب بقوة السلاح.

تلك المدارس الدينية مليئة بكثير من الشوائب التي تتعارض مع قيم حقوق الإنسان التي حث عليها ديننا الإسلامي، ومن هذه الشوائب الغلو الديني، الذي يتمثل في تحريف المفاهيم، وإفراغ الأحكام الشرعية من مضامينها، والابتعاد عن مقاصد الدين وأهدافه.

ومن الشوائب أيضًا كراهية المختلف في الدين والمذهب ومفهوم الجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الولاء والبراء، الحاكمية، الخلافة وفق مفاهيم ضيقة.

ولهذا أظن أن غرس فكرة الأحادية المعتقدية كان لها دور كبير في تنامي هذه المجموعات؛ لأن الاعتقادات الأحادية المطلقة هي المسؤول الأساس عن إيجاد مناخ التطرف والعنف المجتمعي، وكذلك تحريم المعارف والفنون المختلفة مثل الموسيقى والتصوير والنحت، وتعنيف المرأة والنظر لها بأنها مصدر للغواية والفتنة. إضافة إلى رؤيتها عن الحداثة والتجديد بأنها من البدع. ثم أنظر لتطبيق قانون العقوبات عندهم إذ تغيب عنها مبادئ الحرية وحقوق الإنسان والعدالة والمساواة والتسامح مع الآخر المختلف.

أخيرًا أقول: الكائنات الطالبانية لم تأت من كوكب زحل أو المشتري، ولا هي بخريجة مدارس الغرب الكافر كما يصفها شيوخهم، ولكنها أتت من التعبئة الفكرية والدموية لبعض مشايخهم ووعاظهم في مدارسهم المتخلفة.

باختصار: البيت الطالباني فسر لنا بكل وضوح مخطط المدرسة المتشددة وشيوخهم الذين تعاونوا على بنائه وتشييده.