آخر تحديث: 28 / 9 / 2021م - 12:13 ص

سطور في تأبين السيّد الفقيه الحكيم

السيد أمير كاظم العلي

ثلمة الإسلام بفقد العلماء، وعدم انسدادها كما روي في بعض الروايات، تنشأ في أحد أسبابها، من امتياز كلّ عالم بصفات لا يتكرّر حضورها في غيره من العلماء، بمستوى حضورها فيه.

ومن جميل تأبين العالم إذا رحل عن الدنيا الوقوف على بعض خصائصه، سعيًا لتأكيدها في ذاكرة المجتمع العلميّ، وتمثّلًا لخطاه في مسيرة البحث عن الحقائق، والمعارف العالية.

واليوم إذ نعيش أجواء الحزن على رحيل سماحة المرجع الدينيّ الكبير السيّد محمّد سعيد الحكيم، أجد من واجب احترام الفقاهة، وتقدير العلماء، أن أشير إلى بعض ما عرفته في سماحته، من خلال قراءتي لبعض تراثه الثرّ، ومؤلّفاته الثمينة، وذلك في نقاط:

الأولى: تميّز سماحة السيّد الحكيم بفهمه العرفيّ، وذوقه العربي الحصيف، ولعلّ لانتمائه إلى البيئة العربيّة، ومعايشته لأدبيّاتها دخالة في التفاته إلى ما لا يلتفت إليه غير من الفقهاء، عند وقوفهم على النصوص القرآنية والروائيّة.

الثانية: تأخذنا الميزة السابقة عنده رحمه الله، إلى ملاحظة تميّزه بالجرأة العلميّة؛ فنراه يجزم بالنتيجة الّتي يصل إليها بحثه الاستدلاليّ، ولا يتردّد كثيرًا في إبدائها، وإن خالفت المتعارف في الآراء الفقهيّة.

الثالثة: يشدّني في مؤلّفات المرجع الراحل الحكيم أسلوبه الأدبي البديع، وانسيابيّة تعبيراته، ووضوح عباراته، وهو بذلك يخرج عن السائد في كتب الفقهاء، المتأثّرة عادة بنمط لغة الحوزة، الّذي قد لا يتفاعل معه إلّا بعض أساتذتها وطلّابها، المتقدّمين في التعاطي مع المناهج والمصادر المتداولة في دراساتها التخصّصيّة.

وإذا بحثنا عن خلفيّات هذه الخاصيّة سنجد بعضها في عنايته رحمه الله منذ بداياته الدرسيّة بتكوين قدراته، في الدعوة إلى الدين، وتبليغ قيمه وتوصياته، واتّصاله بكبار الروّاد في هذا الطريق، وذلك في الدورة التدريبية الّتي انطلقت ضمن برامج جماعة العلماء المتألّفة بتوصية من المرجع الكبير السيّد محسن الحكيم ومراجع آخرين، وقدّمها مجموعة من الأساتذة الكبار، كالشيخ محمّد رضا المظفّر، والشيخ محمّد أمين زين الدين، وانتخب للمشاركة فيها ثلّة من طلّاب حوزة النجف النابهين، ومنهم الشهيد السيّد مهدي الحكيم، والعلّامة الشيخ الفضلي، وغيرهم «راجع في ذلك مقالة الشيخ الفضلي حول الشيخ زين الدين في كتابه القيّم: هكذا قرأتهم»، وكان السيّد الفقيد الحكيم من أولئك الطلّاب، وقد انعكست آثار الرعاية العلمائيّة الجادّة على كتابات سماحته، بأجمل الصور وأبدعها.

الرابعة: لم يقتصر تراث سماحة السيّد الحكيم الراحل على الأبحاث الأصوليّة والفقهيّة العالية، الناتجة عن دروسه في مرحلة البحث الخارج، بل نجد له رحمه الله من جهة إسهامات في كتابة بعض الكتب المنهجيّة، كبدائل للمناهج الدراسيّة المهيمنة على الدرس في الحوزات العلميّة منذ فترة طويلة، وهذا يكشف عن بعد متقدّم وواقعيّ في رؤيته التربويّة العلميّة.

ومن جهة أخرى فإنّ لسماحته مؤلّفات رصينة في مجالات بحثيّة أخرى، كالتحليل التاريخيّ في كتابه ”فاجعة الطفّ“، والتأصيل العقيديّ في كتابه الآخر ”في رحاب العقيدة“. وهذا يجلّي لنا أفقًا آخر في شخصيّته الفكريّة المثابرة، ويتيح مجالًا أوسع لمن يريد أن يكوّن تصوّرًا متكاملًا عن نظرته إلى الدين وامتداداته، باعتباره رمزًا مهمًّا في حاضر الحوزات المعاصرة.

الخامسة: لم ينقطع السيّد المرجع الحكيم عن التواصل الإرشاديّ مع الجمهور المؤمن، ويمكننا لحاظ ذلك في خطاباته وتوجيهاته الأبويّة المتعدّدة للفئات المتنوّعة في المجتمع؛ كالشباب المغتربين، والمبلّغين، وعموم المؤمنين في مواسم الإحياء الدينيّ مثلًا. وفي هذه الميزة ما يشير إلى ملمح من ملامح المرجعيّة المسؤولة المتفاعلة مع قواعدها الشعبيّة، الّتي لا تخفى حاجتها إلى الحنوّ، والاحتواء، والإحساس بمواكبة المراجع والقيادات لما يحصل في واقعها، من هموم وتحدّيات.

ونحن إذا قرأنا تراثه في هذا المجال، نجد نفسًا توجيهيًّا هادفًا، وأدبًا وعظيًّا هادئًا، فهو لم يكن يتردّد في إبداء ما يعتقده من رؤى، والمشي باتّجاه ما يقتنع به من غايات، لكنّه يبتعد ما أمكن عن الخوض فيما يعترضه من أوحال الفتنة.

السادسة: لئن كان سماحة السيّد الحكيم يحمل آراء واضحة، وذات اتّجاه معروف في قضايا العقيدة والدين، وتفاصيل مسائل الإحياء الدينيّ، فإنّه كان محافظًا على الحالة العامّة للاعتدال، مبتعدًا عن الدخول المثير للانشقاقات الاصطفافيّة في المجتمع الإيمانيّ والإسلاميّ، بل وحاثًّا على التحرّز عن بيان الآراء بطرق معمِّقة للانقسامات بين المؤمنين، وهذا ما يمكننا أن نقرأه في بياناته التوجيهيّة، ونصائحه المباشرة لبعض من تشرّف بزيارته رضوان الله عليه، وهو بذلك يقدّم نموذجًا مهمًّا للأصالة والتوازن، في وقت تكاثرت فيه أصوات المزايدات والتجاوزات، باتّجاهات دينيّة وفكرية متباينة أحيانًا.

أسأل الله تعالى للسيّد الفقيه الراحل الرحمة والرضوان، ولنا الاهتداء بسيرته، والانتهال من بركات تراثه، هو وبقيّة العلماء والمراجع الكرام، في العلم والبصيرة والعمل.