آخر تحديث: 25 / 10 / 2021م - 4:43 م

أحاديث البحر!

ليلى الزاهر *

خواطر شاب فقد أمّه.

لم أعشق من الدنيا سوى أمي والبحر.

‏على شاطئ البحر يتشعّبُ الجمالُ وفي أعماق أمي يُثمر الإنسانُ، وحَسْبك نضارة الكلمة على لسانها حينما تتخطى جدران قلبي فتثمر نورًا أبلجًا.

في حديثي مع أمي تتجلى فلسفة الأغريق والمسيح وينبثق نور الإسلام، ترتدي أمي لباس الفضيلة بعيدا عن التّصنع، مثل عابد يُكمل فرضه العبادي لايهتم بمن حوله، يحلّق في أجواء الإيمان بصدقزوإخلاص لايلتفت لهذا ولا لذاك.

خلف أبواب منزلي عشتُ مع أمي ودرجتُ سنين عمري أقطف أجمل الزهور من بساتين حديثها، تغمرني أمي بفيض من الحنان، تفتح ذراعيها لي وقت المحن وتضمني إلى صدرها استبشارا وفرحا.

غادر والدي مع من غادروا العالم فجنّدت أمي كلّ طاقاتها من أجلي، عملت، وكافحت، ربتني بحبّ وأنا اليوم بجانبها وطوع أمرها.

تعاهدنا على أن نكون معا في صولات الدنيا وجولاتها، نُحارب ونهادن متى ما لزم الأمر.

لق ظلّ ذلك اليوم قابعا في ذاكرتي، أجبت نداء أمي وقد أوجع قلبي أنينها، أنصتُ إلى الضراعة في تمتمة كلماتِها، أخافتني رعشة يديها ماهكذا عهدتُ أمي.

جاءني الجواب سريعا، وغابت أنفاس أمي عن الحياة، لم أكن أُصدّق ذلك اليقين بل راودني صوت الشك:

قم وانهض، أمّك لم تمت بعد مازالت على قيد الحياة!

أعرف جيدا أنّ الشخص الذي لا يتقبّل الفقد سوف يتقلّب بين عالم الخيال المفزع وبين تعاسة الموقف.

خرجتُ من منزلي لا أعلم أين أضع رجلي قابلتني جارتنا في طريقي وسألت عن والدتي لا أعلم لماذا قلتُ لها أنها بخير، لقد تركتها نائمة، لم أجرؤ القول: إن أمي ماتت

أخذتني قدماي صوب البحر

كلّ خطوة تؤلمني، وكل حدث يفزعني، تُحادثني الدموع، تسابقها كلمات الأسى

أطبق الظلام وكلانا يسرُّ الآخر بأحاديث

عَرَّفَ بَعْضَهُا وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ

خضتُ في حديث شائك مع البحر ثم قلتُ له: أفعل مايحلو لك ستجدني عاشِقًا وَ لا أَعْصِي لَكَ أَمْراً.

فَلَمَّا نَبَّأَني بما يجول في خاطري قلتُ له مَنْ أَنْبَأَكَ هذا؟؟

قالَ: إنها حربك على الموت، هل قررتَ أن تمشي خلف فكرة مجنونة، مستحيلة؟!

بني: تقبّل الألم هو بداية جراح لايُحتمل ألمها مثّ شيئًا فشيئًا سرعان ما تتماثل للشفاء، وتتخلص من جراحك المؤلمة.. نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ بأنك سوف تكون بخير.

مع لحظات النهار الأخيرة وأضواء الليل الخافتة ابتلع البحر الشمس كعادته أسرّني بأحاديثه وبدا يغفو، تركني أُعيد حساباتي من جديد وعدت أدراجي نحو منزلي حيث كانت أمي بانتظاري ولكنها على غير عادتها كانت تغطُّ في نوم عميق جدا، لم أدرك ما أقوم به من جنون فادح في حق أمي فإكرام الميت دفنه.

جلست بجوارها طوال الليل وقد امتلأت جعبتي بأحاديث كثيرة ناديتها فلم تُجبني قلت لها:

أمي ‏لاتجعلي بصرك بعض بصر، وسمعك بعض السمع، لاتقبري صوتك في أحشائك.

أمي سوف تكونين بجانبي أبد الدهور إلى أن نُقبر معا.

غلبني النعاس وغفوت بجانب أمي، سمعت أصواتا كثيرة تعاتبني، ليست أصواتا وإنما صليل سيوف تقاتل أفكاري المتمردة على الموت، وقد أوشكت على الوقوع في أشواك الممرات المظلمة التي كنت أمشي فيها.

هيهات من عودة أمي أسمعها تقول:

‏عمرٌ قصير لاتشبعه بالأوجاع يابُنيّ؛ أقطع أشواطًا للفضاء الرحب تنشد أجمل أبواب السعادة.

بُني اجعل قبري يقاوم الفناء بدعائك الذي لن ينقطع عني، كلما سمعتَ صوتك قلت: إنّ من أنجب ابنًا محبّا لم يمت.

لانريد أن نموت، ولانريد أن نجوع، ولانريد أن نعطش ويبقى العمل الصالح خبز الحياة والموت، كلّ أعمالنا ضربٌ من الخسارة مالم تتوجها بركة الله ورضوانه.