آخر تحديث: 27 / 10 / 2021م - 9:12 ص

البردة وثلاثية الاستشراق.. قراءة استطلاعية

جهينة الإخبارية

القراءة الاستطلاعية من القراءات الهامة التي تكشف عن جوهر متون الكتب قبل اقتنائها، فمن اسمها تقوم بعملية الاستطلاع للمنتج الأدبي الذي دوّن، لكشف أبرز السمات والملامح، وهي قراءة تمهيدية أولية عامة محورها الأبرز جمع المعلومات المتاحة تمهيدًا لدراسات لاحقة أكثر تعمقًا، أو لاقتناء كتاب يكشف عن هويته قبل السعي لتملكه، ومحور حديثنا عن رواية البردة وثلاثية مهاجرون نحو الشرق، وهي باكورة الانتاج للروائي السعودي عبد العزيز آل زايد، يمتطي صاحب البردة صهوة إنتاجه بباقة روائية بعد رؤيا رآها، يجيب الروائي آل زايد الدكتورة هناء الصاحب قائلًا: ”لكل رواية مذاق ونكهة، فوقت لاحتساء الشاي، ووقت لارتشاف القهوة“، قال ذلك حين سألته عن: ”ما أحب رواياتك لديك؟“، فلنبدأ الإبحار لاكتشاف عن أبرز ملامح رواياته.

الجزئيات التاريخية

أغلب ما ينتجه الروائي سرديات تاريخية، وهو واضح من فضاءات رواياته، ولعل طرقه باب الخيال في هذه الروايات لكونه يفتش عن زوايا تفصيلية مخبوءة سكتت عنها كتب التاريخ، فعلى سبيل التمثيل والنمذجة خياله الخصب في العلاقة السارية في رواية رائحة العندليب بين المستشرقة الألمانية «أنّا ماري ميشل» والفيلسوف الباكستاني محمد اقبال، وكذا علاقتها بالشاعر الصوفي البارز جلال الدين الرومي، الاهتمام بالتفاصيل بؤرة يستمتع بها بعض القرّاء، ففي رواية البردة، يتتبع الروائي أنواع برد النبي الخاتم، فيشير إلى البردة الصفراء المهداة لأويس القرني، والبردة الخضراء التي ألقيت على البوصيري في منامه، وبردة مسكوت عنها أشير أن مصيرها كان الإحراق، وهذا نص الاقتباس: ”وهل يهمّك أمرُ هذه البُرْدَة المحروقة؟!“.. ”كيف لا وهي بردةٌ نبويّة خالطتْ جسدَ النّبي المبارك؟!“، قالها وكلُّه ألمٌ وتحسّر، تحدّث الرجلُ كمَن يمتلك أخبارًا وفيرةً ترضي محدّثَه: ”ولكنْ لم تكنْ للنّبي بردةٌ واحدة...“.

سرديات الرؤيا والأحلام

لم يقتصر الروائي آل زايد على استخدام فرشاة الخيال، بل توكأ في مسراه على أدب الأحلام، وهي جِبْلة يتشوق لها الملوك فضلًا عن غيرهم، فقد ورد في سورة يوسف: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ، ولا يخفى على المتتبع تأثر الروائي بهذا اللون من السرديات، بدأ من تجاربه الشخصية، وانطلاقًا إلى واقع ايقاعات سرده، وقد صرح آل زايد في حوار له عن روايته البردة، قوله: ”نعم تحقق لي شرف رؤية النبي محمد، في سنوات ماضية، وكنت في غاية السعادة“، ثم يشير أنه مسح بكفه على صدره الشريف وأن رؤيته متأتية، يقول: ”استفدت من هذه الرؤيا في كتاباتي، ومن أبرزها اسقاط ما حدث لي على رؤيا الإمام البوصيري“، وتمسكًا بعتبة الأحلام ننقل مقتطفًا من رواية رائحة العندليب، نصها: أتذكّر جيدًا أنّ نومي كان في وقتِ القيلولة، وهو أفضلُ أوقات النهار، وقرأتُ في مطالعاتي أنّه وقت الرؤيا الصّالحة، وذكرتُ في كتابي «أحلام الخليفة» عنْ تأثير الزّمان في الرؤيا، حيث قلت: ”الوقتُ الذي تكتسي فيه الأشجارُ بالورق يُعدّ من أفضلِ أوقات السّنة التي تحدث فيها الرّؤيا الصّالحة“، الغريب أنّ عرى الحُلم يتمطى في انتاجات آل زايد، فقد ورد في روايته شذا الحبيب، ما نصه: ”اعْلمي يا ابنة العم أنّي رأيتُ في ليلةٍ سبقت ولادتك بها؛ جدّتي فاطمة الزهراء، وقد قدّمت لي فاكهة من الجنّة في منديل أحمر، لم أشمّ أزكى من رائحتها، ولا أحلى من طعمها“.

الجرعة الرومانسية

تشبعت الروايات الأدبية بالحبكة الرومانسية، وقلما نجد رواية لا تطرق هذا الاتجاه من قريب أو بعيد، وليست روايات آل زايد بعيدة عن هذا الاتجاه رغم التحفظ الذي يسلكه حيث تبدأ رواية البردة بلقاء رومانتيكي عبر الشاشات الرقمية، بين العاشقين «ابن يونس» والرواية «زهرة اللوتس»، وهذا هو المدخل الذي جرى بينهما: ‎ «”مَن أنت؟!“، ‎تراقصتْ حروفُها قُبُلاتٍ متسارعةً غضّة، تنتظر شروقَ الشّمس التي لاحتْ خيوطُها في الأفق الوَسيم، انفلقتْ من بيْضةِ حشاشتِه أبياتٌ شاعريّة مُعْلنة بدايةَ الغرام»، بالإضافة إلى المنحى العاطفي في حكاية الملكة شجرة الدر وعشاقها المتعددون، هذا ما يخص البردة، أما عن ثلاثية مهاجرون نحو الشرق، فإن رباط العقد حكاية الجزائري «جلال الفارس» وهي رواية تخيلية رومانسية بامتياز، جاء في بعض أزقتها ما نصه: «شربَ الدكتور صبابة التّوت، لكنّه لم يمتْ، ليتجرّع كاسات الألم، رمق كأسَ سيسلي الذي لم ترتشفه، فأخذه وشربَه كمَن يشرب السّم، خرجَ من مكتبه بعد أن ألغى اجتماعاتِه معتذرًا، فغابَ عن عمله، وجلسَ في داره حبيسَ الفراش»، لم تنحصر الرومانسية في حكاية الجزائري جلال، بل امتدت في العديد من الحكايات، منها حكاية سيبستيان والفتاتين جوليان وباتريشيا، وكذلك الأبطال المتخيلين في حكاية المستشرقة المسيحية كارن أرمسترنغ، وهم: «بهاء، وإفيلا، وشاهناز».

باب الاستشراق

اتسع مجال السرد ليعم فضاءات متعددة غير مألوفة، ومن جملة المجالات النادرة طرق باب الاستشراق والمستشرقين، وهي بادرة تستحق الالتفات والالفات، يقدم آل زايد في بداية انطلاقته الروائية سلسلة «مهاجرون نحو الشرق»، وتقع في ثلاث أجزاء، جمعها روايات تاريخية تتطرق لعالم الاستشراق البيروقراطي البريطاني، الذي يستهدف فهم فلسفة الديانات الشرقيّة، المتميز في هذا العمل أنّ الأديب مدّ جسور الألفة مع الآخر، حيث جمع كوكبة من المستشرقين الذين يرى أنهم أنصفوا الإسلام وهو لون من ألوان التعايش مع المختلف، من أبرز الحكايات التي تطرق لها حكاية المستشرق البارز ويليم مونتجومري وات، والمستشرقة البارزة كارن أرمسترنغ، والمستشرقة البارزة الأخرى أنّا ماري ميشل، نظن أنه تحدٍ سافر أن يرغم الروائي قلمه في طرق شخصيات حقيقية ثقيلة الوزن لم تطرق روائيًا، إلا أنّ الخيال يعد فيها طوق نجاة.

أدب الرحلات

أصبحت الرحلة لونًا مألوفًا له قرّاء ومريدون، فمن يقرأ سطور هذا الأدب يستشعر متعة الترحال دون قطع تذكرة، وكأننا نتقمص دور أمير الرّحالين محمد اللواتي الطنجي «ابن بطوطة»، يقدم آل زايد في باكورة أعماله عدّة رحلات، منها رحلات الإمام البوصيري في «البردة»، ورحلة الباحثة عن كنز عسقلان البريطانية النبيلة «الليدي استر استهانهوب»، ورحلة المستشرق المغامر مترجم كتاب ألف ليلة وليلة «السير ريتشارد بيرتون»، ورحلة المستشرق الإنجليزي «جوزيف بيتس»، حيث يستخدم آل زايد تقنية حبس النفس والإيقاع الدرامي في العديد من زوايا رواياته، وقد نشرت دار البشير بعض المقتطفات من «كرائم الطيب»، حيث جاء منها: «عشْرة جيادٍ تقدح سنابكها بالشّرر، أغارتْ على القافلة، أطلقوا في السّماء طلقتيْن كنايةً عنِ السيطرة والتّصميم. اضطربَ قلبُ اللّيدي ”استانهوب“، واحتقنَ وجهُها بحُمرة قانية، إنَّهُ الموتُ الذي لا مفرّ منه»، وفي مقتطف آخر: «نفخ بوقُ المعركة، وقُرعَت الأجراس، هجمَ المغاربة ليحتلّوا مؤخّرة السفينة، فبدأتْ العصيّ تلعب فوق الجَماجم تهشّم الرّؤوس والأكتاف. استخدمَ المغاربةُ أسلحتهم، إلّا أنّ النّبابيت أطولُ أثرًا؛ لهذا تكسّرت العظام والجماجم».

محراب التصوف

النكهة الصوفيّة أصبحت من الأنفاس المحببة لدى الكثير من الجمهور، يسرد الروائي آل زايد حكايات صوفية متنوعة منها حكايات عن الشاعر الباكستاني اقبال اللهوري وجلال الدين الرومي، وتكفينا نموذجًا رواية البردة بنكهتها الروحية المعتقة حيث تروي حكاية شرف الدين البوصيري ولقائه بأسياد المدرسة الشاذلية، بالإضافة إلى لقائه المتيم بمن أحبّ، حيث تسرد الرواية أجواء شفيفة في أجواء كتابة قصيدة «الكواكب الدُرِّيّة في مدح خير البَريّة»، وقد جاء من مقتطفات الرواية، ما نصه: «‎أنْهكني التعبُ، فغطّتْ عيوني بالنّوم بعدَ أنْ أفرغتُ جهدي، هذا هو النبيُّ الكريم، مسحَ بيدِه المباركة ناصيتي إلى أسفلِ ذقني، وألقى عليَّ بردتَه الخضراء»، وفي لقاء حواري يعلق الروائي على تأثر الساحة العربية بالأدب الصوفي فيقول: ”أنا من عشاق الأدب الصوفي، ومن المتأثرين بهذا الصنف من الأدب، لما يحمل من روحانيات تنعتق فيها المادة، وتحلق فيها الروح“، إلى أن يصرح بقوله: ”طالعت قواعد العشق الأربعون، وكانت تجربة ماتعة، لكن رواياتنا بطبيعة الحال مختلفة شكلًا ومضمونًا، مع الإبقاء على النكهة الصوفية“، وفي ذات البعد الصوفي يتحدث الروائي على تأثر رواياته ببعضها، حيث يشير إلى تأثر الرواية الصوفية «رائحة العندليب» بالرواية النبوية «البردة»، إذ يقول: ”لم نر علاقة صوفية وقعت بين شخصين بهذه الكيفية، ولعل رواية البردة هي من أفرزت لنا هذا الاتجاه المستحدث، أظن أن الأدباء يتأثرون ببعضهم، ومن الطريف أن يتأثر الروائي بنفسه“.

المقاومة وأدب الملاحم

من المناحي الثابتة في سلسلة آل زايد الروائية قالب المقاومة الوطنية في القارة السمراء وبلدان المغرب الأقصى، وكأن للروايات ثيمة أدبية لابد لها من إراقة قطرات الدم، حيث ينتخب عدّة أبطال يسرد حكاياتهم الملحمية بإيقاع بطولي، من أولئك الرموز سماحة الإمام العارف الشيخ ماء العينين القلقمي وابنه المقاوم البارز الشيخ أحمد الهيبة، ومؤسس الدولة الجزائرية الحديثة الأمير عبد القادر الجزائري، والجزائرية المحنكة لالة فاطمة نسومر، يسرد قلم الأديب آل زايد حكايات مفصلة عن سيرهم الذاتية بهالة تخيلية سينمائية تقارب سرديات الأساطير إذ يروي في «شذا الحبيب» ما نصه: «اقتربَ الجندي يحتزّ رأسه، سدّدت لالة فاطمة نسومر بحربتها رميةً موفقة اخترقت بطنَ الفرنسي، وسقط على الأرض صريعًا يخورُ في دمائه، أخلت على الفور قدمَها من الركاب، وشقتْ منديلًا من ردائها شدّت به جرحَ الشريف».