آخر تحديث: 16 / 5 / 2022م - 1:50 م

علي الدميني.. وداعا أيها الشاعر

محمد الحرز * صحيفة اليوم

غيب الموت هذا الأسبوع الشاعر الكبير علي الدميني بعد صراع مرير مع المرض، لم يمهله كثيرا، ذهب أبو عادل إلى رحمة ربه. لكن ظلاله الوارفة ممتدة وراسخة في مشهدنا الأدبي والثقافي. لعقود طويلة، كان فيها الشاعر المجدد في نصه، والكاتب الذي كان يبحث عن منابع الكتابة الجديدة عند المختلفين في شتى نواحي البلاد، والمهجوس بها من العمق.

كان يجد نفسه معنيا بالمبدعين كلهم، صغيرهم وكبيرهم، فهو صديق المبدعين والمثقفين من جميع الأجيال والأعمار.

أحدث حراكا أدبيا وثقافيا كبيرا، يشهد له كل الذين عاصروه والأجيال اللاحقة، منذ أيام ملحق المربد إلى إنتاج مجلة «النص الجديد» في مطالع التسعينيات.

وما بين العملين كان مواكبا لكل جديد يدخل الساحة، وبشغف كبير، وعلاقته الوثيقة والأخوية للأستاذ الرائد محمد العلي جعلت هذا الحراك أكثر قوة وأثرا.

أتذكر نحن جيل التسعينيات كنا ننظر إلى جيل علي الدميني باعتباره جيلا رمزيا، ما فتئ يكابد الصعاب حتى استطاع أن يضع تجربته موضع التميز والتنوع والثراء، وكان صاحب «رياح المواقع وبياض الأزمنة» يقدم تجربته بطريقة كأنها منفتحة على عوالم متعددة، لا تسعها القصيدة، وحدها ولا فضاءاتها التجديدية، فجاءت «الغيمة الرصاصية» لتفتح مسربا للسرد الروائي في تجريب كان أبو عادل يراهن على إنجازه، ويراهن على ترسيخ فكرة التجريب عند المبدع، وهذه من أكبر ميزات الشاعر علي الدميني كونه أحد النماذج الكبرى للمثقف المبدع في فضائنا الأدبي، الذي يطور نصه في كل الاتجاهات، بل ويقدم تجربة سردية لا تقل أهمية عن نصه الشعري وتتواشج مع حياته.

أتذكر أنني في مطالع التسعينيات تلقيت منه اتصالا، وكان وقتها يجهز أحد أعداد النص الجديد، ويطلب مني المشاركة بدراسة ضمن العدد.

كانت سعادتي غامرة وشعوري طافحا بالكبرياء، وكيف لا أزهو بهذا الشعور وصاحب «بأجنحتها تدق أجراس النافذة» قد طلب مني بجلالة قدره المشاركة؟

ولم أدعْ أحدا إلا وأخبرته بمكالمة الأستاذ علي الدميني تفاخرا، وكنت قد شاركته بدراسة عن أحد كتب سعيد السريحي.

لقد عانى مؤلف «خرز الوقت» الكثير في سبيل الارتقاء بالمشهد الشعري والثقافي إلى مصاف الحداثة، وكان تأثيره يشكل علامة بارزة، يشار له بالبنان.

قصة الأستاذ علي الدميني مع الإبداع والثقافة على امتداد حياته، التي تجاوزت السبعين، فيها الكثير ليقال عنها أو يكتب لأجلها، وكون صاحب «أمام مرآة محمد العلي» هو المتواضع الكبير، الذي لا يتوانى بالسؤال والتواصل مع الكثير من المبدعين، صغيرا كان أو كبيرا. وهذا أمر يعطي الصورة الشخصية لمبدع كبير، تجد أجزاء هذه الصورة عند العديد من أصدقائه وأحبابه ومعجبيه وقرائه من جميع أقطار الوطن العربي، ولا تكتمل إلا بإظهارها كمثال ساطع على طريقة المبدع في سلوكه الحياتي، وهذا ما تحتاج إليه الأجيال كنماذج تسترشد بها في طريق الإبداع، ومن مثل حياة أبي عادل كنموذج ومثال على ذلك.

ساحتنا تفتقد إلى النماذج الإرشادية، هي مشغولة أو مهووسة بنماذج عالمية عابرة للحدود، وليس في ذلك ضير أو عدم قبول. بيد أن التمادي في الهوس دون الالتفات إلى رموزنا الأدبية والثقافية ومحاولة تكريسها كنماذج إرشادية، هو من الأخطاء الكبرى، التي يتحمل مسؤوليتها الجميع، وعلى رأسها وزارة الثقافة المعنية برموزنا الثقافية، وبالتالي وضعهم موضع المكانة، التي يستحقونها أمام الأجيال، ولا يتم ذلك بالاحتفاء بهم وتكريمهم فقط، وإنما الأكثر فائدة هو أن يتعرف الأجيال على ما قام به هؤلاء من مساهمات أدبيا وثقافيا وفكريا، قبل أن يذهب بهم الموت إلى غير رجعة.