آخر تحديث: 16 / 5 / 2022م - 1:50 م

خفايا وكواشف

ورد عن أمير المؤمنين : «تكلموا تعرفوا …» «نهج البلاغة / الحكمة 392».

خفايا النفس كنز من الأسرار والمشاعر والاتجاهات والأفكار لا يمكن الاطلاع والتعرف عليها، إلا من خلال باب واحد وهو البوح بمكنونات تلك النفس بما يتحدث به ويعبر فيه المرء عما يجول ويدور بخواطره، فلكل شخصية ما تحمله من تطلعات واتجاهات على مختلف الدروب، والطريق إلى معرفة ما تجيش به نفس الإنسان هو الحديث معه وإفساح المجال له ليفصح عن هويته المعرفية والاجتماعية والثقافية، ولذا فإن الأسرة الناجحة تتيح لأبنائها فرصة الحديث عن أنفسهم في جلسات يسودها المحبة والوئام والاحترام لمختلف وجهات النظر، وما يحمله من تصورات وسلوكيات غير مقبولة يمكن معالجتها من خلال الإقناع الفكري وذكر الجوانب السلبية لها، كما أن تنمية الفكر وإثراء الثروة اللغوية عنده يكتسبه من خلال هذه التجربة التي يخوضها في محيطه الأسري، فحديث المرء يكشف عن طبيعة تفكيره وطريقة تعامله مع المواقف والأحداث، فالعقلية الرزينة والراجحة ينبيء عنها الحديث المتسلسل والقائم على توصيف الحدث والفرص المتاحة لاتخاذ موقف إيجابي سليم يجنبنا الكثير من الخسائر، وأما صاحب السطحية الفكرية أو السلوك المتسم بالتهور والهمجية فذلك يظهر من خلال ما يطرحه صاحبه من طريقة تعامل غير عقلائية، فأي تقييم يعتمده الآخرون حول شخصية ما يتكيء أساسا على ما يسمعونه منه من رؤى وتصورات تفصح عن مستوى تفكيره والمباديء التي يؤمن بها.

ومن هنا تنبع أهمية الكلمة ومدى تأثيرها على فكر ووجدان المستمع وتقييم عقلية المتفوه بها، فهناك كلمة موزونة تحمل في طياتها المعاني الجميلة وتجذب النفوس لصاحبها، وهناك الكلمة التي تنطلق كالسهم الملتهب في قلب المستمع فتكسر خاطره لما تحمله من قسوة وغلظة لا تحتمل، ولذا ينبغي لحفظ علاقاتنا الأسرية والاجتماعية من الاضطراب الحرص على وزن الكلام الصادر منا ليناسب الموقف بعيدا عن الانفعالات والمراوغات، فكل كلمة تمثل موقفا يأخذ بنا نحو الانسجام والتوافق مع الغير، أو البعد والنفرة حين يفقد المصداقية والاحترام للآخرين لما تسببه الكلمات الجارحة أو المسيئة، ولذا يجب أخذ الحيطة والحذر من الآثار المترتبة على كلماتنا فهي غير قابلة للاسترداد والاسترجاع بعد انطلاقها، والاعتذار من الإساءة قد لا يعالج أو يصحح الموقف في كل مرة ولا يعيد المياه إلى مجاريها بعدما تكونت بذرة الصدمة العاطفية وانطلاق شرارة الخلاف.

وانظر لما يناله المرء من احترام وتقدير نظرا لمكانته الأسرية أو الاجتماعية، ولكنه قد يفقد محبة المحيطين به بسبب استجابته السريعة لانفعالاته فيرمي على الغير كلمات مسيئة تسبب اضرابا في هذه العلاقة، فكم من أب أو أم قد حولا البيت إلى جحيم لا يطاق ومأوى يفقد فيه الأبناء مقومات الاستقرار والأمان الأسري، بسبب العصبية التي تحول أي خطأ أو تقصير من الأبناء في مستواهم المدرسي أو الواجب الملقى على عاتقهم، إلى ساحة هجوم يمارس فيه الوالدان كل أساليب التوبيخ والعنف اللفظي، كما أن العلاقات الاجتماعية ترتكز في استمراريتها أو ترهلها وانقطاعها إلى أسلوب تعاملنا وحديثنا مع الغير، فقد يكون كلامنا بلسما يشافي ويخفف وطأة الظروف الحياتية على الآخرين من حولنا، وقد تكون القشة التي قصمت ظهر البعير فأسقطتنا من أعينهم!!

وقد حرم الدين الحنيف كل إساءة لفظية تجاه الآخرين في المجالس والمحافل التي تجمعنا بمن نحب معاشرتهم والأنس بحديثهم، فتلك الجلسات إن لم تكن مثمرة فلا أقل ينبغي ألا تتدنى إلى مستوى الإساءة للغير والغمز من قناتهم والحديث بسوء عنهم، فالعاقل لا يشارك في مثل تلك الأحاديث قولا واستماعا لإدراكه بأنها تهدم السور الحصين للعلاقات الاجتماعية، فما لا تحبه لنفسك من استنقاصك والتعرض لك بالخوض في خصوصياتك ومضايقتك بنميمة أو غيبة، فلا تعامل به الغير واحفظ شخصياتهم من أي تناول يخدش الصورة الجميلة لها، فإن ناقل الكلام السيء «النمام» لا يحظى بأي احترام حقيقي أو ثقة به فمن ينقل لك ينقل عليك، فهو شخص مريض يتنفس الفتنة والوشاية وإضرام نار الخلافات والخصومات بين الناس.

والخلاصة أن المعاني والتصورات الكامنة في النفس أمر يخفى علينا التعرف عليها، ولكن إذا نطق لسان المرء كشف عن طبيعة وطريقة تفكيره والسلوكيات والمباديء التي يؤمن بها.